|
الأثنين 2 اغسطس 2004 العدد 127 السنة
في خضم التحديات المتراكمة والمتصاعدة علي الصعيد الداخلي والاقليمي والدولي كان مطمئنا ان ينبه الأستاذ ابراهيم نافع رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام الي الاساسيتين التي لايصح ان يشتت اهتمامنا بهما أي هموم أو طوارئ الا وهما سياسة واستراتيجية قومية للتنمية السياسية والتنمية الاقتصادية.
وفي الحقيقة ان مصر لم تكن في أمس الحاجة الي تحقيق هذه الغايات منها اليوم ليس فقط من منطلق ضخامة التحديات وتشابكها وامتداد جذورها علي المستوي الداخلي والخارجي ولكن ايضا من منطلق ثراء الفرص الواعدة التي يلزم لانتهازها تعبئة قومية شاملة.
يحقق اكبر قدر من الكفاءة في استخدام وتنمية الموارد المحدودة والمتطلبات الملحة العاجلة والآجلة.
ورغم ان الحلقات الاقتصادية والسياسية والفكرية لاتفتقر الي كثير من المبادرات والابداعات المتناثرة فان وعاء السياسة الاستراتيجية القومية هو الوحيد القادر علي احتواء ورقة اسقاطها وتواصل هذه المبادرات والابداعات حتي تتخطي فائدتها مستوي التأمل والاعجاب وتصل إلي أن تكون لبنة في صرح متنامي الشموخ والرسوخ.
وصياغة الاستراتيجيات والسياسات القومية التي يلزم التنبيه علي أنها ليست هواية ولكنها علم العلوم ومجمع المعارف لاتعتمد في الأساس علي الابتكار والاختراع وليد ألهام أو فكرة وان كانت ترحب بهما ولكنها في الأصل تعتمد علي استقصاء متصل للحقائق وتقييمها مع تفاعلاتها واستيعاب متعمق للواقع والممكن والمجدي وكذلك للحصيلة العالمية وتجاربها وانماطها وتوجهاتها.
وهي من حيث شمولها لابد وان تستوعب كل المدخلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية علي المستوي الداخلي وعلي المستوي الخارجي ذي الصلة وبحكم حتمية المتغيرات وتصويب المسارات هي عملية متصلة وممتدة لاتنتهي بانتهاء مرحلة أو تحقيق هدف.
وفي هذا المجال يلزم التنبيه الي الفروق بين السياسات القومية وبين البرامج والتخطيط, فالسياسات تعني تحديد حلول وأهداف قومية شاملة ممتدة, أما البرامج والتخطيط فتعني بتحديد المسارات الي هذه الحلول والأهداف مرحليا, ومن ثم تظهر عدم جدوي محاولة القائمين علي رسم الخطط والبرامج محاولة فرضها علي أبعاد التنمية القومية الشاملة والمتواصلة علي أنها بديل للسياسات القومية.
وهذه الخاصية تبين ان مسئولية صياغة السياسة القومية لابد وان تستوعب عطاء وتتعامل مع هموم كل القطاعات والتخصصات وكل أصحاب الولاية والمصلحة والمعرفة وكل الممارسات والخبرات وتوافق بين توجهاتها وتستوعب تناقضاتها وتحدد أولوياتها حيث يلزم قصور الموارد والامكانيات عدم الاحاطة بها جميعا علي نفس درجة الأولوية ولايصح الخلط بين التطلعات القومية الدائمة وبين وظائف السياسات القومية فرفع مستوي المعيشة والاستقلالية والندية والعدالة الاجتماعية وحق اختيار المسار والمصير كلها أوان قومية ثابتة تصب فيها حلول السياسة القومية الآنية بشكل متواصل ومستديم وليست أبعادا مرحلية لسياسات قومية ديناميكية.
ولعل هذه الخواص للسياسات القومية تبين اسباب قصور الجهود أولا لصياغتها, وثانيا لتطبيقها في خضم الحاح التعامل مع الأزمات الملحة الطارئة والتحولات البالغة الداخلية والخارجية وهو علي عكس مايجب ان يكون من ان تكون حوافز عاجلة, باعتبار ان هذه الطوارئ والتحولات ليس لها حلول كلية قاطعة, ولكنها تستلزم حلولا متراكمة متكاملة وممتدة لاتحققها إلا سياسة قومية شاملة ومتصلة وحتي لايبدو اننا مازلنا نمارس هواية اعادة اختراع العجلة للمرة العشرين إريد ان أذكر اننا بدعوة من الدولة ودعم دولي كان لي شرف الاشراف علي صياغة اول سياسة قومية للتنمية1982 باشتراك مئات من كافة القطاعات المعنية وصولا الي الادارة والتشريع والتخطيط والتعليم والتدريب والبحث العلمي وانتهجنا المنحي العلمي المتعارف عليه بمسح قطاعي لكل قطاعات الانتاج والخدمات محاولة لتحديد أولوياتها بتحديد الحلول والأهداف الآليات الواجب تفعيلها والتشريعات واللوائح الواجب تحديثها بل واستجابة للطلب الذكي للمرحوم الفريق كمال حسن علي رئيس الوزراء في هذا الحين وضعنا مسودة لبرامج التنفيذ وتقدير مبدئيا للتكلفة, وكان كل هذا لمجابهة تحدي عقد الثمانينيات الذي يعرف في الاقتصاد العال
مي بالعقد الضائع لتقلص معدلات التنمية في الدول النامية, وتدهور نصيبها من الاستثمارات والتجارة العالمية وتصاعد حجم مديونياتها وتكلفة خدمة الديون وتطور هذه التحديات علي الاقتصاد المصري ثم اعدنا صياغة هذه السياسة القومية في اوائل التسعينات استجابة للتحولات البالغة الخطورة التي فرضتها العولمة وتوقيتها في مرحلة تفتقر فيها الدول النامية للقدرات والموارد اللازمة للتعامل معها.
وطرحنا رؤانا في دراسة متصلة عن الجات وحرية التجارة وآليات التنافسية المتاحة ثم صياغة سياسة قومية وتخطي الفجوة العلمية والتكنولوجية في1995.
ثم عدنا في بداية الالفية الثانية في بوادر أزمة الاقتصاد العالمي والوطني انهيار الشرعية الدولية وتصاعد الضغوط والقيود السياسية والاقتصادية والامنية علي الدول النامية بمشروع تأمين مستقبل الصناعة المصرية في مظلة وبمشاركة الوزارات والقطاعات الانتاجية والخدمية السيادية والقطاعات غير الحكومية الموازية في اتحادات الصناعة والتجارة ومازالت هذه الصحبة القومية الشاملة تتعامل مع التحديات البالغة الصعوبة والتعقيد وفي ظل أزمات طارئة اقليمية ودولية بموارد محدودة واحتياجات ملحة هذا اضافة للمشاركة علي أعلي المستويات في الحوار الدولي والمفاوضات الرسمية اعترافا منا والعالم بثقل المؤتمرات الدولية في المصالح الوطنية.
وفي ضوء هذه المعايشة الممتدة لهموم الامة المتراكمة والمتغيرة لم يكن غريبا أن يكون تنبيه الاستاذ ابراهيم نافع رئيس مجلس الادارة ورئيس تحرير الأهرام له وضع خاص ومهم وضاعف من هذا الواقع الخطاب الذي وصلنا من الاستاذ الدكتور/عاطف عبيد بدعم هذا الجهد ويؤيده بل ويعد بالالتزام بتطبيق مايمكن تطبيقه من توجهات ناتجة عنده.
والاهمية البالغة لاشهار ارادة ووعي السلطات المعنية بضرورة اعطاء الأولية لهذه الاساسيات لاترجع فقط لاستحالة صياغتها أو تطبيقها بغير هذا الالتزام من الدولة والرأي العام بل ترجع أيضا إلي الصعوبات البالغة التي يعاني منها المتصدون لهذه المسئولية في المرحلة الاخيرة حيث تتصاعد توجهات التواكل والسلبية ليس فقط بين أصحاب المعرفة والخبرة بل بين أصحاب المصلحة انفسهم مما يؤدي إلي عزوفهم عن المشاركة التطوعية المضيئة والممتدة ويؤدي في النهاية إلي حرمان العمل القومي من كنوز القدرات والخبرات هو في أشد الاحتياج إليها ولاشك أن وعي والتزام الدولة هو العلاج الشافي لهذه الضغوط.
ولقد تفضلت جريدتكم في نشر سلسلة من المقالات خلال2003/2002 طرحنا فيها الاهتمامات الاساسية التي تحاول اعادة الصياغة والتعامل معها وهنا في هذه المرحلة اطرح القضايا الرئيسية التي تعرفت عليها دراساتنا للاستزادة بالآراء والتوجهات في كل أصحاب المعرفة والخبرة في تشخيص الاختيارات التي تسبق مرحلة الصياغة ومن ثم سنتناول في مقالاتنا التالية
1ـ الكفاءة
2 ـ التنمية الكمية والنوعية
3 ـ قوي السوق المحلية والعالمية
4 ـ التنافسية
5 ـ الحوافز والتعبئة ـ
6 ـ الثورة البشرية
7 ـ الموارد والاحتياجات
8 ـ الادارة والانتظام
واملي أن تسمح ظروف جريدتكم البارزة بهذا العرض المنهجي المتكامل الذي يخرج بالعطاء الجدي من جدران العزلة خاصة بعد أن أكد رئيس الوزراء الجديد أ.د/ أحمد نظيف أولية وضع برامج قطاعية متكاملة تقتضي تكاملها رؤيا استراتيجية طويلة المدي.
رجوع الى مقالات |