Banner
   

 الأبعاد العالمية المستقبلية لهزيمة بوش

جريدة الاسبوع 27 سبتمبر 2006 العدد 505
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/505/makalat12.asp

عقد الرئيس بوش مؤتمرا عقب هزيمته في انتخابات وسط ولايته وتتبعت باهتمام مجري حديثه ولم يفاجئني ارتباكه السياسي وضباب رؤيته عن مدلول الهزيمة.. فلم يكن إطار تطرف وعناد إدارته قادرا علي الاستدلال السريع علي اختيارات مجدية.


ولكني فوجئت بما خيل إليٌ أنه يطرح تساؤلا علي الصحفيين عما إذا كانوا يظنونه غبيا ولم أصدق سمعي الضعيف، فسألت من حولي فأكدوا ظني. والغباء أنواع: منه نوع خلقي أو موروث لا يسأل عنه المصاب به ولكن تسأل عنه بيئته المحيطة، وكيف تتعامل معه، ونوع مكتسب من ضحالة المعرفة أو قصور في استيعابها أو ممارسة تحليلها وتقييم مدلولاتها، ونوع ثالث هو إغلاق الإدراك والاستيعاب بعقد أو عقائد أو تهيؤات تعطل الاستقبال والاستيعاب ويعيش صاحبها في سجن رواسخ جامدة وتتحطم علي جدرانه كل المعطيات والمتغيرات.


وهذا هو النوع الذي يلزم محاسبة من يتعرض لمسئوليات عامة عليه حسابا عسيرا وإن ظهر أحيانا بلباس العبقرية الخادعة.
فالرئيس بوش ورث تراثا ثريا ابتداء من ترسيخ أسس القطبية الأمريكية بداية من الحرب العالمية الثانية ثم اشعال الرئيس ترومان للحرب الباردة في محاولة تقزيم القطبية المنافسية للاتحاد السوفيتي ثم تدعيم ايزنهاور للقطبية الأمريكية من خلال مشروع مارشال لحشد التأييد الأوربي وبلورته في حلف الاطلنطي حتي جهود ريجان في استعجال انهيار حلف وارسو والقطبية السوفيتية.


وبداية من الحرب العالمية الثانية جهود مكثفة لطفرة نوعية للاقتصاد الأمريكي لم تكن الطاقة الذرية وغزو الفضاء والكومبيوتر والليزر… الخ، إلا أشهر مظاهرها.


وهو ورث أيضا تراثا مؤكدا في الشرق الأوسط بالاعتماد علي أن إسرائيل الطابور الخامس للاجتياح الأمريكي هي أرخص وأكثر الآليات فاعلية في ضرب القومية العربية والتوجهات الاشتراكية والاستقلالية وحشد الأسري في سجن النفوذ الأمريكي الصهيوني رغم أن هذا الحشد لا يشمل إلا الحكومات وهو بالضرورة يحشد الشعوب في معسكر معارض لا خطر منه ما لم تسترد الشعوب فاعليتها وحرية حركتها.


ويتبلور كل هذا التراث الثري في القطبية الأحادية والعولمة بآلياتها العسكرية الساحقة وآلياتها السياسية والاقتصادية الماحقة الدولية والإقليمية. والحقيقة أن أكثر تداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة هي ليست ما تحدثه من انقلاب في موازين السياسة الأمريكية الداخلية ولكن ما تثيره من تساؤلات وشكوك حول كل هذا التراث العالمي العنيد الذي لا شك أنه شكل النظام العالمي الجديد.


فماذا فعلت عبقرية بوش الخادعة بالقطبية المنفردة في إطار سجنه اليميني العقائدي المتطرف المستند إلي التطرف الذي تمثله حشود المسيحية المتعصبة التي يضم في ضوئها ما يقدر بثلاثين مليون مؤيد لهذه المنابر في الولايات المتحدة لم يستوعب أن الهيمنة الأمريكية الصهيونية بلغت مداها، وأن استرداد الشعوب لفاعليتها وحرية حركتها لن يأخذ دائما مسارا سياسيا نمطيا لا يجدي في واقع بيئتها وأن القاعدة وطالبان والانتفاضات الفلسطينية هي ثمار لزراعة فاسدة وأن مأساة 11 سبتمبر هي نتاج الغطرسة وعدم عدالة الهيمنة، ومن ثم لا يمكن أن يكون علاجها الأجدي هو زيادة في أسبابها ومبرراتها.


وهكذا تحولت شرارات الأزمة العراقية إلي حريق ساحق يهدد ليس فقط القطبية المنفردة في هذا الموقع، بل يهدد أركان وكيان المجتمع المزمع انقاذه والمنطقة المستهدف تأمينها وهكذا يمثل الصدام في فلسطين وانتصار المقاومة الدينية بأغلبية الأصوات وهكذا يتزعم التيار الديني المقاومة الفعالة لأول مرة في لبنان للهيمنة الأمريكية الصهيونية ويكاد يقتحم العناد والتمادي الأمريكي باشعال حرب أهلية في لبنان والعراق والصومال ويزحف بإصرار نحو تقسيم مجتمعات طال تماسكها رغم تخلف نظمها إلي البلقنة والتقسيم في السودان والعراق والصومال ولبنان.


مع صعود التيارات الاشتراكية للتصدي للهيمنة الأمريكية في فنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا… الخ، في أمريكا اللاتينية، وهكذا تتصاعد قوي الصين العسكرية والاقتصادية ونفوذها السياسي لاجهاض أحلام الهيمنة الأمريكية من خلال الطابور الخامس في تايوان والتحالف الياباني الكوري الجنوني، وهكذا بقيت النظم الشيوعية في كوريا الشمالية وكوبا إلي حد امتلاك أسلحة الدمار الشامل الرادعة، وهكذا ابتدأت إيران في ترسيخ صناعة عسكرية فعالة في كل مجالات التسليح بما فيها الصواريخ والطاقة النووية.


وهكذا يلفظ حوالي 70 % من الرأي العام العالمي بما فيها الاتحاد الأوربي هذا التهور والعنف لليمين المتطرف الأمريكي الذي لا يعرقل فقط التعايش والتعاون العالمي، بل يعرض المصالح الأمنية والاقتصادية لمخاطر لا مبرر لها.


وهكذا يمتد الرفض والشجب إلي الرأي العام الأمريكي رغم قسوة فاجعة 11 سبتمبر وهجمات علي السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا وسفن حربية في اليمن وانفجارات اسبانيا وبريطانيا وباكستان واندونيسيا وعودة الحرب الضروس إلي أفغانستان بعد ست سنوات من الجبروت العسكري الأمريكي الذي لم تكن له سابقة.


إن الشك العالمي في جدوي وصلاحية القطبية المنفردة رغم تعثر إقامة قطبية منافسة في الاتحاد الأوربي بعد سقوط مشروع الدستور وتأخر احياء القطبية الروسية رغم السعي الحثيث والثورة التي تتبعها الصين في ترسيخ جدارتها كقطبية واعدة في شرق آسيا والرد الانعكاسي في البيان لافلات الزمام من القطبية الأمريكية تمثل في الحقيقة أهم الانعكاسات والتساؤلات التي تثيرها هزيمة العبقرية الخادعة لليمين المتطرف الأمريكي ثم ماذا فعل بوش بالعولمة؟ فحتي لو تمعنا في تطبيقه لها علي الصعيد الأمريكي الداخلي فإن الاتساع المتزايد من دخول الفئات الأغني ممثلة في 1 % من السكان وتلك الأفقر الممثلة لجحافل الشعب تزداد اتساعا وتشعلها الاعفاءات الضريبية والحماية الجمركية وتصاعد الإنفاق العام الذي زاد من تكلفة الحرب علي الإرهاب التي ستحظي بمئات المليارات من الدولارات التي ساعدت علي تضخم مديونية أمريكا إلي حدود خيالية وعجز ميزانيتها التي ورثها بوش فائض وصولها إلي عجز 052 مليار دولار في الميزان التجاري والتهديد المنتظر بتقليص معدل النمو والإنتاجية والفساد الذي اتهم به نائب رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالشركات التي كان يرأسها وأدين مستشاره ثم رئيس المجلس النيابي واثنان من النواب ثم تضاعفت الرشاوي الانتخابية التي يسميها الأمريكيون براميل لحم الخنزير وهي مشاريع شخصية لأنصار الحكومة لدعم موقفها ومكانتها الانتخابية دون مبرر من جدوي قومية وتضاعفها عشر مرات خلال حكم بوش.


ثم فشل وعوده الانتخابية فيما يتعلق بتطوير التعليم والخدمة الصحية والتأمين الاجتماعي وتصاعد عدم الثقة في مستقبل ذوي الدخول المحدودة وعلي الصعيد الدولي رفضه لمحاولة كيوتو لانقاذ المناخ العالمي من كارثة الاحتباس الحراري ورفضه الاسهام في انقاذ مفاوضات لتشجيع التجارة العالمية وتعطيل اعفاء ديون الدول الأفقر واصراره علي عدم توقيع معاهدة منع تجارب نووية ورفض الانضمام إلي محكمة الجرائم الدولية التي كان يمكن أن تمنع فظائع أبو غريب ومعسكرات التعذيب في القاعدة الأمريكية في كوبا والاستفزازات غير المحسوبة بمجابهات مع روسيا في الجمهوريات السوفيتية السابقة في جنوب غرب آسيا وفي القوقاز وأوكرانيا وجورجيا.


والعقوبات الانفرادية علي السودان وسوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا… الخ، وشركات كبري في أوربا والصين والاتحاد السوفيتي والشرق الأوسط وتمويل وتحريض المعارضة ضد حكومات الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا وأفريقيا.
وامتهان وتدمير الأمم المتحدة من خلال زحمة الهيمنة الأمريكية علي الاجماع الدولي ابتداء من حرب العراق إلي الفيتو 36 لحماية العدوان الإسرائيلي ومذابح بيت حانون هذا الأسبوع.


وفرض دور الشرطة الدولية علي الأصدقاء والأعداء دون الاعتراف بقانون أو قواعد أو حتي أخلاقيات تحكم هذا الشرطي الدولي الذي مثل لغالبية شعوب العالم قطاع الطريق.


كل هذه الشطحات تثير تساؤلات جذرية عما إذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلي عولمة يشارك في منافعها وثمارها كل شعوب العالم أو هي تسعي إلي عولمة النفوذ والسيطرة والبطش الأمريكي لتحقيق الأمن والمصالح الأمريكية أولا وأخيرا كما صرح بوش نفسه أكثر من مرة بأن المدلولات للهزيمة الانتخابية والأمريكية لا يصح أن تؤثر آثارها فقط علي أزمة فلسطين والعراق والسودان والصومال وإيران وكوريا الشمالية وسوريا.


ولا يصح أن تترتب آثارها علي احداث اليوم أو الغد بل إن لها مدلولات عالمية وامتدادا إلي ما بعد الغد ولا يتوقع أن الكونجرس الديمقراطي سيكون في وضع لتصويب الاشكاليات جذريا.


لقد أحدثت 11 سبتمبر 2001 تغييرا جذريا فمن ناحية كشفت التطرف في الحقد والتعميم والكفاءة المفاجئة لبعض طرق المقاومة الإسلامية العربية ومن ناحية أخري فتحت المجال للكشف عن تطرف مقابل في العداء والاجتياح وانعدام الكفاءة المفاجئ لليمين الأمريكي المتطرف.

 

ومع أن ضرب مصدر الاعتداء كان مبررا ومدعما عالميا فإن شمول الاجتياح الأمريكي للنظام العالمي لم يكن منطقيا ولا مبررا، من لم يكن معنا فهو علينا شملت الأمم المتحدة وميثاقها والحلفاء الغربيين والعالم الإسلامي كله وجنوب وشرق آسيا ولم تكن حدة ومساحة الاجتياح بما فيه الأساطيل والقاذفات العملاقة والشبح وقنابل الليزر العملاقة المخترقة للكهوف وتكتيكات الأرض المحروقة للأخضر واليابس والاعتقال والتعذيب والحصار رغم ما فيها من تنفيس عن الرغبة في الانتقام مناسبة لا للقوي المستهدفة ولا لدوافعها، وهكذا قوي وانتشر نفوذ القاعدة عشرات أضعاف ما كان عليه وتخفت طالبان حتي تهدأ العاصفة وعادت للقتال وهي أشد عودا واكثر شعبية وانحسر تعجرف اليمين الهائج سعيا وراء القبول والمساعدة من الحلفاء والمغلوطين والاصدقاء المنسيين لإخراجه من ورطة لم تفلح ترسانته العملاقة في ايجاد علاج لها.

 

وحقيقة مأساة اندحار اليمين المتطرف داخليا في الولايات المتحدة وخارجيا في كل ميادين الصدام والمجابهة، أنه ليس له مخرج سريع أو سهل منها فلا الكونجرس الأمريكي يمكن أن يخرجه منها والديمقراطيون أبعد ما يكونون عن تحمل مسئولية الانسحاب والهزيمة عن الحزب المذنب.

 

ولا الرئيس قادر علي استيعاب مدلول الدرس لأن البديل هو الاعتراف بجرم الاجتياح كله وتحمل مسئولية انكسار يفوق انكسار فيتنام التي واجهت فيها الولايات المتحدة قوات مسلحة لفيتنام الشمالية مدعمة من الصين والاتحاد السوفيتي والرأي العام الأمريكي والعالمي. ورغم ارتفاع أصوات النقد وسيزداد ارتفاعها ليس فقط من الديمقراطيين والقوات المسلحة واجهزة الإعلام والحلفاء وغير الحلفاء بل إن أصوات الرفض والاحتجاج ترتفع الآن في الجناح المعتدل الجمهوري بشدة، بل والأفجع أنها ترتفع ايضا في اليمين الجمهوري المتطرف وإن كان دافعها مختلفا.


ومع ذلك فليس هناك مخرج سريع أو حاسم لإخراج الولايات المتحدة من سياستها الأمنية والاقتصادية من الفخاخ التي حفرها لها اليمين المتطرف بقصر نظره وانعدام كفاءته كشأن كل من يتسلط عليه الحقد والغضب.

 

ولن تكون أي من المجموعات الإقليمية الدولية عونا فعالا في تحقيق هذا الخلاص فالاتحاد الأوربي لن يقدم إلا النصح الخجل والدعم الرمزي والاتحاد السوفيتي والصين لا يمكن أن تكونا غير المشاهد المتألم والمتأسف علي نتائج الاجتياح الغاشم.


ورغم التجربة المريرة وانعكاساتها العالمية والمستقبلية الهدامة فلن يملك اليمين المتطرف نبذ عقيدته العدوانية وعلي الأرجح لن يتفادي مضاعفة قاسية بتجنب توسيع دائرة العنف المباشر وغير المباشر في فلسطين ولبنان وإيران وكوريا الشمالية وملحقاتها المتزايدة لأن هذا هو النفق الذي سجن فيه نفسه ولا مخرج منه إلا انتصار حازم غير متوقع أو انسحاب ذليل تتصاعد معالمه ولا يصح أن ننسي أن السياسة الخارجية والدفاع دستوريا هي مسئولية رئيس الجمهورية حسب أحكام الدستور الأمريكي وما يملكه الكونجرس هو جعل الحياة بغيضة لرئيس لا يمكن أن يكون مستقبله أكثر إظلاما من حاضره.

 

وتبقي مخاطر السوس الذي ينخر في عظام الأسس التي تصور اليمين المتطرف أنها تقوم عليها القطبية المنفردة والعولمة التي يرغب فيها وتبقي حمامات الدماء في افغانستان وفلسطين والعراق وما يتبعها من اخطار دائمة مثل العملاق الذي اطلقه اليمين من قمه ويبقي مصير الاستقرار والسلام العالمي مرهونا برعونة وتهور غير محسوب وغير معقول وفاقد القدرة علي التراجع

 

رجوع الى مقالات