Banner
   

 دستور لكل الناس .. الأحوال والأزمات

مجلة الاسبوع الاثنين 2006\12\25 العدد 509
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/509/makalat10.asp

لعل من أهم التوجهات التي احتواها خطاب الرئيس وصولا للمجالس النيابية في افتتاح دورتها هو تأكيد أنه يتطلع إلي أن يحقق تعديل مواد الدستور احتياجات المستقبل حتي وإن بدا أنه يضع تحفظات علي هذا المفهوم أما نحو التوجهات الايجابية الهامة تأكيدا علي تفادي اغفال أخذ الأساسيات في الاعتبار هذه المؤشرات بوضع الدستور في موقعه الصحيح من حيث دوره الحاكم علي مجريات الأمور حاويا كل فئات الأمة ولكل التيارات والتوجهات ومعنيا بالمشاركة الندية وحرية الحركة لتأكيد فاعلية اسهامها حتي تلك التي اقتضت الأوضاع القائمة بقاءها خارج إطار المؤسسات السياسية والتشريعية أو علي هامشها وهي بالتالي تضع حدودا علي الانفرادية للسلطة التنفيذية والتشريعة التي إن احتكرت الحاضر فهي أبعد من أن تحتكر المستقبل.


وفي هذا الإطار يبقي تساؤلان هامان: أولهما فبعد الواقع الذي أكد الرئيس أهميته فهل يقصد بالواقع احتكار السلطة وتهميش الخارجين عنها واستمرار هذا الواقع الذي ترفضه كل القوي الوطنية المستقلة أم يقصد بالواقع هو القناعة باستنزاف هذا الواقع لمبرراته وجدواه باعتراف الجميع من حيث الاجماع علي التغيير والإصلاح الذي شاركت السلطة في تبنيه فإذا كان المقصود بالواقع هو واقع التغيير والإصلاح وليس واقع الاحتكار والجمود ان مدلولات قدسية الدستور تنطلق من عقالها الذي جعلها تتخلف علي عالمها وعاصرها ثم تأتي لتحفظ القفزات.


إن الإصلاح والتغيير هو في واقع مدلوله قفزة ولا يمكن أن يكون غير ذلك إلا فقد مدلوله ومعناه فهل التخلص من احتكار السلطة وإرساء قواعد المشاركة والتداول واطلاق حريات التوجهات السياسية والمدنية وتقييد السلطة المطلقة لصياغة توجهات الأمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو قفزة أم أنه ضرورة لازمة لتحقيق تطلعات الأمة للإصلاح والتغيير، وبالتالي فإن أي توجه معاكس لهذه المتغيرات هو الذي يعتبره قفزة إلي الخلف.


لأنه لا يجهض متطلبات التغيير والإصلاح فقط ولكن يشرع الجمود ويحمل الدستور مسئولية شرعيتها واستمرارها وحصانتها.
علينا أن ننتظر حتي تتبلور هذه التلميحات في شكل خيارات مجددة قابلة للرفض والقبول وكلنا أمل أن تسود الايجابيات علي التحفظات.


لكن يبرز مؤشر آخر قد يكون له مدلول حيوي حين يتحدث الرئيس عن أن الدستور لا يمكن أن يكون محل تعديل كل بضع سنوات فهو من ناحية قد يمثل اعترافا بأن الدستور ليس دستور السلطة ولكنه دستور كل الناس في كل الأحوال وفي كل الأزمان. ومن ناحية أخري قد يكون اعترافا تخلل التجربة المؤلمة لتعديل المادة 76 الموعود بإعادة تعديلها وإيلام هذه التجربة هو انها مرت بحوار ساخن داخل دهاليز السلطة ثم حوار ساخن وحراك مع كل التيارات المعارضة ثم قرار الأغلبية الحاكمة في المجالس التشريعية ثم اعتماد رئيس الجمهورية ثم في نوع ما من انواع الاستفتاء وبعد كل هذا خرجت في صورة عبثية لم تحمل إلي الأمة والعالم الخارجي إلا معني واحدا هو أنها مفصلة علي مقاس ليس فقط السلطة ولكن علي مقاس شخوص معينين وأنها حكم دستوري أغفل كل الناس وكل الأحوال وكل الأزمنة.


ومن هنا كانت حتمية تغيير التغيير فهل استمرارية وديمومة أحكام الدستور التي يلمح إليها الرئيس هي اعتراف بتفادي هذه التجربة؟ وهل هي وعد والتزام بتجنبها؟ وهل اتسعت الرؤية لتستوعب كل الناس وكل الأحوال وكل الأزمنة مهما كانت أطماع وتطلعات الحاضر؟ إنه سؤال جوهري لم يتلق بعد عليه جواب.


وسيبقي سؤال مفصلي ليس فقط للسلطة ولكن للأمة بكل تطلعاتها وأجيالها ومتغيراتها القائمة فعلا والتي لا مناص عنها في المستقبل القريب والبعيد، إنه واجب هام وجدي لكل مفكري مصر أن يبادروا لطرح الاسئلة الأساسية والتي لا يصح أن تضيع في خضم الصخب السياسي والحزبي لأنه في الحقيقة علي قدر اختلاف التطلعات والأطماع فإن أسس المصالح الأساسية المشتركة أكثر أهمية ودواما.


وإذا كانت المدلولات الايجابية لتوجهات الرئيس هي المقصودة فهل آليات صياغة الدستور التي سيقترحها هي المناسبة لتحقيقها؟ فهل انفراده بطرح تغييرات الدستور وانفراد الحزب الوطني من خلال أغلبيته المتحفظ عليها في المجالس التشريعية التي تشكلت في ظل الأحكام.


إن المقاصد الحسنة لا تحققها النيات الحسنة ولكن تحققها الإجراءات والآليات الصادقة والمحصنة. وهذا له في نهاية المطاف هو المدلول الحاسم علي حقيقة المقاصد والغايات ومن ثم سنفرد له حديثنا القادم.
وفي ضوء استقراء ايجابيات اشارات الرئيس تثار ضرورة الاتفاق علي محتوي التغيير والإصلاح ومداه وآليات تفعيل هذا التغيير والإصلاح التي تخدم أهدافه.


وسيكون لنا حديثان عن المحتوي والآليات في مقالات قادمة.. وكلنا أمل أن يأخذ كل المعنيين تعليقنا علي أنه عناية واهتمام بانجاح التوجه الرئيس المشترك وهو التغيير والإصلاح

 

رجوع الى مقالات