|
جريدة الاسبوع 2006\11\6 العدد رقم 502
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/502/makalat16.asp
رغم تراكم التحديات المفزعة علي الصعيد المحلي من بطالة وغلاء متصاعد ليس له نهاية وعبٌارات خردة وسكك حديد، السلامة فيها استثناء يحمد عليه رب العباد وتلوث مياه وبيئة لا تعرف مصادره أو مداه واحتقان اجتماعي وسياسي يهددان بالانفجار.
وعلي الصعيد الدولي فخاخ فلسطين ولبنان ومآسي العراق وأفغانستان وما يتبعها في السودان والصومال وإيران وسوريا.
رغم كل هذه التحديات الجسام والتي تبدو الدولة والعالم غير معنية بها أو غير قادرة عليها.
تبقي وستبقي الحاجة الحرجة الملحة لتصويب الممارسات والهياكل والنظم السياسية في مصر،الدولة المحورية للمنطقة هي أخطر التحديات وأكثرها إلحاحا وأبعدها أثرا من حيث استحالة التعامل مع سائر التحديات المحلية والدولية بأي قدر من الفاعلية بدونها.
ولا يبدو أن جو الاسترخاء والجمود الفكري والتنظيمي الذي لا يملك النظام منه فكاكا باعث علي الأمل والرجاء.
ومن ثم تبقي عنايتنا بتفصيل عناصر جدوي اطروحات المشاريع القومية للاصلاح والتغيير موضع اهتمامنا وتركيزنا.
وهناك حراك مشكور خارج أطر النظام بمعالجة قصور الاحكام الدستورية والقانونية التي رسخت احتكار واغتصاب السلطة وقيدت كل التيارات الإصلاحية بأغلال الكبت والتهميش.
ولكن الإصلاح والتغيير والديمقراطية ليست مجرد نصوص واحكام ولكنها في نهاية المطاف ممارسة وعلاقات.
وكثيرا ما يفوت الباحث ان احكام التسلط والكبت والجمود سواء كانت دستورية أو قانونية أو تنظيمية ليس المقصود منها في النظم التسلطية هو مجرد التسلط والانفراد ولكنها في نهاية المطاف تهدف إلي تغييب قدرات وتوجهات لا يمكن ترسيخها إلا من خلال الممارسة وفاعلية توازي العلاقات مع التطور الاجتماعي والسياسي والاستراتيجي للمجتمع وهي حين تهدف إلي حجز فرص الممارسة والمشاركة تحقق هدفين أساسيين: أولهما تجريد الشعوب من القدرة والرؤية والكفاءة علي ممارسة مسئولياتها وثانيهما تربية اجيال من الكوادر القادرة علي حمل لواء التسلط والانفراد وما يلزمها من كبت واغتصاب.
ومن هنا يصبح معيار الممارسة من أهم معايير دراسة الجدوي لأي مشروع قومي للإصلاح والتغيير.
ولقد طرحنا سؤالين علي دراسات الجدوي ان تتعامل معها عن المصداقية والدستور ونطرح اليوم السؤال الثالث عن الممارسة فالنصوص والأحكام لم تكن أبدا ضمانا لتحقيق الديمقراطية فلو كانت لكان النظام الديمقراطي تدعم وشمل أغلب دول العالم ولكن أهمية النصوص والأحكام انها تفتح الباب للآليات الفعالة لارساء قواعدها وهي الممارسة والاستيعاب وفي تقديري ان العقبة الكئود التي عطلت التطور الديمقراطي كانت حرص أعداء الديمقراطية علي حجب فرص وثراء الممارسة بما تأتي عليه وفق قدرة المجتمع علي مستوي كل فئاته ولو حصرنا عوائق الممارسة والاستيعاب ابتداء من القاعدة الدنيا ممثلة في القرية والمصنع لتعرفنا علي مخاطر منع الممارسة ابتداء من تعيين العمد ورؤساء الأحياء والمدن والمحافظين وهو يقين لا يحرم القاعدة من حق التقييم والاختيار فقط بل يحرمها من حق المراقبة والحساب وهو عمليا نفس الحال في النقابات العمالية وان اختلفت الاساليب بدليل سقوط رئيس اتحاد النقابات في الانتخابات رغم رسوخه علي صدرها لعقود والذي استجد هو امتداد هذا الحرمان للطليعة الرائدة في كل المجتمعات ممثلة في معاهد الدراسة الجامعية التي لا يؤتمن علماؤها علي انتخاب عميد ورئيس جامعة النقابات المهنية التي قادت حركة التحديث والتغيير منذ النصف الأول للقرن التاسع عشر وأي منصف لا يمكن ان يقارن فاعلية الطبقة المثقفة ابتداء من تلامذتها إلي قمم أساتذتها في عهد ثورة 1919 وما بعدها ونظرائها في الوقت الحالي رغم الهزة التي خلخلت هذا الجمود اثناء حراك الانتخابات الأخيرة سواء كانت تشريعية أو لائحية أو أمنية أو بيروقراطية أو الجزرة قبل العصا أو معها أو الانفراد بالسلطة أو مافيا المنتفعين أو الاعلام الموجه والمانع أو الاحكام العرفية والمعتقلات أو البطالة وغياب العقول وهجرتها… إلخ .. فالأدوات تختلف وتتفاوت باختلاف الموقع والزمان أما الممارسة والحاح الأغلبية في الممارسة فهي دائما الضحية والغريب ان كثيرين لم يولوا هذه العقبة الكئود حقها من الاهتمام نحن نعلم ونعي ان ممارسة الاختيار والرقابة الديمقراطية هي أعلي مراتب التعبير عن ادراك ووعي الشعوب وكلنا نعلم ونعي انك لا يمكن ان تكون فلاحا أوسمكريا أوحلاقا أو طبيبا أو مهندسا إلا باكتساب المعرفة والمهارة من خلال حلقات متصلة من الممارسة من التعلم إلي التدريب إلي المزاولة فكيف يمكن ان نتخيل ان ترسخ أسس الحكم الديمقراطي المحروم علي اطلاقه من فرص التمرس والاستيعاب حتي لو توفرت النصوص والاحكام وعندما استخدم تعبير التعميق ‘محروم علي اطلاقه’ فأنا استخدمه ليس من باب المبالغة والتفخيم اللفظي ولكني أعبر عن حقيقة صارخة وهي ان حرمان المحكومين من حق الممارسة والاستيعاب للحياة الديمقراطية لابد أن يصاحب رفيقه وتوءمه وهو حرمان الحاكمين أيضا من ثراء الممارسات والاستيعاب الديمقراطي علي كل مستوياتهم ابتداء من العمدة وشيخ الحارة المعين إلي الوزير والنائب والعميد والمحافظ ورؤساء قطاع الإعلام العام وقيادات الهياكل التي يقومون عليها أو تقوم عليهم في حالة دوامهم وعندما تغيب الممارسة الديمقراطية بما تحمله من ضمانات تكافؤ الفرص والاختيار والرقابة والثواب والعقاب ورواسخ الحكم الدستوري والقانوني وتبادل السلطة فلا يمكن ان يتخلف عنها الا فراغ في قواعد وقيم المعاملات فلابد أن يحل محلها الانعزالية والبيروقراطية وانعدام المسئولية والالتزام للأضعف والمغبون ولعل انهيار مستوي الممارسة الفاضح الذاتي كشفه حريق الثقافة الجماهيرية في بني سويف ثم فاجعة العبارة السلام 98 والسكك الحديدية وتلوث المياه دليل خارج علي ذلك ولابد أن يملأ فراغها الانتهازية والتربح والفساد والتزوير والطغيان والتمسح بمنابع المنفعة الصالح منها والطالح والوطني منها والأجنبي.
وفي مثل هذه البيئة تعالت الشكوي وللأسف علي ما وصل إليه المجتمع من تسيب وعشوائية وانحلال،فالإنسان كائن درج علي النشوء والارتقاء .. ولكنها البيئة هي التي تحط من معدنه وقيمته حتي ولو لم يقصد مدبرو ومديرو هذه البيئة هذا المصير المفجع ولكنه الثمن الفادح الذي يدفعه المجتمع أجمع من أخطاء الاقلية.
وللذين ينتفعون من غياب الممارسة لحصانة القطط السمان وغياب قوانين محاكمة الوزراء وكبار المسئولين والهاربين بمليارات من أموال الشعب ويبين هذه الأعباء الملقاة علي عاتق دراسة الجدوي للمشاريع القومية للاصلاح والتغيير فمهمة دراسة الجدوي لا يمكن ان تقف عند حد انسب الأحكام والنصوص بل لابد وان تمتد إلي بيت القصيد وهو مجال الممارسات والاستيعاب وضرورتهما ومدي قدرة المشروع علي ترسيخ وإعطاء هذه الضرورة حقها.
ولا يخفي ما يؤدي إليه خلل الممارسة من انهيار لمستوي الكفاءة والانتاجية في كل مستويات الأداء من القاعدة إلي القمة ما بينهما في مرحلة يتعلق مصير الأمة بتصعيد مستوي الكفاءة والانتاجية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
ان تغيير الممارسات في مرحلة التغيير لا يقل صعوبة أو عزوفا عن تغيير النصوص والأحكام لان القوي القائمة علي أي نظام أو تغييره قوي متشابكة تغور في تغلغلها الهيكلي من قاعدة النظام وإلي قمته ورواسب النظم التي يستهدف تغييرها لابد ان تتحمل أعباء تصويب الأداء علي كل هذه المستويات وما لم تتوتر القوة الاجتماعية والارادة السياسية لتعبئة الجهد اللازم ، يفقد تغيير الأحكام والنصوص مدلوله وفي تقديري ان القوة الاجتماعية والارادة السياسية كافية في مجتمعنا وتنتظر المشروع القومي الذي يطلقها من عقالها وهذه هي مهمة دراسة الجدوي
رجوع الى مقالات |