Banner
   

 دراسات الجدوي..السؤال الثاني..إنقاذ أمة ونظام (3)

جريدة الاسبوع 25 سبتمبر 2006 العدد 496
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/496/0212.asp

مع اعتراف الأمين العام لما يدعي الحزب الوطني انه علي مدي 25 عاما لم يكن لهم اطار مؤسسي يثبت ان هذا التجمع كان يعمل بطريقة عشوائية يحجب المشاركة عن مستوياته الدنيا وانه لاول مرة سيعمل هذا التجمع من خلال اطار مؤسسي مبهم المعالم وبالقطع لا يعكس الاختيار الديمقراطي للمنتسبين له ومع ذلك يبشرنا بوضع سياسات محددة دون التعرض للتغيير الدستوري ومن ثم لابد من الوصول إلي القناعة لأن الآليات الموروثة الامنية والتشريعية والاعلامية والانفرادية وانعدام الصلاحية والكفاءة التي اورثتنا كل هذه الهموم والهوان والكوادر المسئولة عنها ستنفرد بمسئولية التغيير والاصلاح التي تمرست وترعرعت علي احكام اجهاضها ومن ثم من الصعب التعرف علي منطقيته او جديته.

 

ومن ثم يثار التساؤل: كم ربع قرن سيلزم لتفعيل هذه الاطر المؤسسية التي احتاجت لربع قرن للتعرف علي ضرورتها والي اي حد تصلح الكوادر القائمة علي رأسها والتي ترسخت في اطار عشوائية غياب الاطر ان تتحمل هذا العبء؟! ولقد طرحنا في مقالنا السابق السؤال الاول الواجب ان يطرح علي دراسة الجدوي لبرنامج التغيير والاصلاح وهو فاعليتها في استرداد المصداقية للبيئة السياسية واليوم نطرح السؤال الثاني وهو فاعليتها في ترشيد الاوضاع الدستورية والتشريعية بما يوائم الهدف منها في اي مشروع جدي ومنطقي للتغيير والاصلاح.


وبداية يجب ان نتفق ان الآلية الدستورية والتشريعية ليست آلية مؤهلة لاستحداث انتقالة جذرية ولكنها آلية لتفعيل متغيرات وازالة عقبات مستهدفة ومتعارف عليها من واقع تطورات ومستجدات قائمة ومعترف بها. ولسنا في حاجة الي تعداد هذه التطورات والمستجدات التي قتلها الحوار والدراسة والاجتهاد علي مدي الحراكة الممتدة لفترة اكثر من طويلة. وقد تباينت الآراء في الشئون الدستورية منذ سنة 1923 وتصاعد التباين خلال مرحلة الانتخابات 2005 وكانت العقبة الكئود هي اصرار القوي السياسية الغالبة علي الانفراد بالرأي في مداخلة أساسية ومعقدة وحساسة ولا نظن هذا التباين في طريقه الي الزوال.


والحقيقة أنه يجب ان نرحب به من حيث انه تعبير عن الوعي والمشاركة التي هي ركيزة الاساس الدستوري وهي الضامنة لقدسية اطره ومنع تجاوزها الذي يفتح مجالا الي هاوية لا قاع لها ولا ضوابط ولا محاسبة.


ثم هناك المستجدات والتطورات التي غيرت من كيان المجتمع من مرحلة الثورة والاعتماد علي الذات والحرب الباردة الي مرحلة التحول الاقتصادي والانفتاح والعولمة والانفجار الاقليمي والقومي التي بررت تجاوز الاحكام الاساسية للدستور نصا وروحا تجاوبا مع ترسيخ اركان اساسية للأوضاع المستجدة وازالة ركائز الاوضاع المستبعدة التي التزم بها الاطار الدستوري والتشريعي القائم بما برر حتمية التعليق والتجاوز لأسس الدستور ويدفع بالتعبئة السياسية الي مخاطر الانفلات من الاطار والاساس الدستوري، وأهم هذه التجاوزات تم في المجال السياسي والاقتصادي مثل قوانين العمل السياسي والاحزاب والانتخابات واهدار مدلول الملكية العامة لوسائل الاعلام والانتاج والاشتراكية والاحكام العسكرية المنظمة للاعتقال والتحكيم والمحاكمات غير الطبيعية وتقليص دور الرقابة النيابية وتقليص مجالات المشاركة الشعبية في تعيين العمد ورؤساء الحكم المحلي والعمداء والمحافظين .. الخ.


ولكننا في حاجة للتعرف علي العقبات والتبعات التي يقتضيها ترشيد الاوضاع الدستورية والتشريعية واستيعاب هذه التطورات والمستجدات. وأولي الظواهر الواجب اتخاذها في الاعتبار في هذا المجال هي ان هذه التطورات والمتغيرات بررت تعليق الاحكام الدستورية والتشريعية في اغلب اركانها فعلا وواقعا. فالاحكام العرفية هي اداة عامة وشاملة لتعليق الحكم الدستوري سواء اتفقنا او اختلفنا علي مبرراتها وامتدادها. ومساحتها علي مدي ربع قرن دليل وقرينة علي تأكيد حتمية فحص الصلاحية بكل المعايير القانونية والسياسية فهل هناك حكم دستوري عمليا؟ ثم هناك التجاوز المتعمد والممتد لاركان اساسية دستورية اخري مثل الاقتصاد الاشتراكي والقومية العربية واتحاد القوي العاملة وحقوق التعبير والمشاركة السياسية وتوجيه اجهزة الاعلام واستقلال السلطة القضائية والدور الغالب للعمال والفلاحين والمهنيين وتداول السلطة والعدالة الاجتماعية والملكية العامة.


وما يمثله هذا التعليق والتجاوز من فرصة لشروعية الحراكة خارج الاطر الدستورية القائمة والتي فقدت صلاحيتها المتصاعدة مما يجرد المجتمع من اهم أركان الحكم الدستوري. وفي المجال الاقتصادي تجاوز مفهوم الملكية العامة والرأسمالية الوطنية ومركزية مكانة اتحاد القوي العاملة في غمرة من الاندفاعات والتشريعات والقرارات والممارسات التي تتجاوز هذه الاسس الدستورية التي عكسها المضاد تماما من العولمة والانفتاح التجاري والاستثماري والخصخصة والمناطق الحرة والاعفاءات والمميزات الزائدة والاتفاقات والمعاهدة الذي لا تمارسه الدول الكبري نفسها وهي موضع خلافات عالمية وهي المناقضة لمتطلبات السيادة وحرية الاختيار والندية التي اكدتها روح الدستور ونصوصه.

 

ونحن هنا لا نتناقش حول صحة هذه الاجراءات وجدواها فلهذا مجال آخر من التفصيل والتقييم الموضوعي لكل اجراء في اطار احاطة شاملة ببيئته المحلية والدولية والزمنية. نأمل ان نتناولها مستقبلا ولكننا نقتصر علي مدلول هذه التجاوزات من الناحية الدستورية وحقيقة صلاحية الاطار الدستوري القائم لاستيعابها وضرورات استرداد المصداقية والقدسية كأساس مفصلي للحكم الدستوري.


ثم هناك الابهامات والتعميمات التي فرضتها الممارسات فيما بعد اقرار الدستور في اول السبعينيات خاصة في مجال الفصل بين السلطات وحدود دور الرئاسة ومجلس الوزراء ومدي جدية ورقعة الرقابة النيابية والانتخابية علي المستويين المحلي والعام وضمانات محاسبة السلطة الرئاسية والوزارية علي اي مخالفة دستورية أو قانونية او انفلات إفسادي وضمانات نظافة الركائز الانتخابية والاستفتائية في ظل اخلال جسيم علي مدي عقود الزمن وغياب احكام قانونية رادعة.


ثم هناك فوق كل ذلك الضرورة الملحة لحصانة الدستور وعدم الاستهانة بجسامة وخطورة تعديله او تعليقه او تجاوزه ما ثبت من ان البيئة السياسية والدستورية والقانونية في الافتقار الكامل لمثل هذه الحصانة كما يبين سلسلة من الانتهاكات في ظل انفراد النزعات الشخصية وليس فقط في فرض هذه الانتهاكات بل ايضا لانفرادها بادارة اقرارها والانتفاع المباشر بثمارها وهو ما يتناقض تناقضا جذريا مع مشروعية هذه الاجراءات وعدم مشروعية الاحكام والضمانات المبررة لها وهنا يجب التعرض الي رأي يكثر تداوله يدعي انه رغم خلل وعدم صلاحية بعض احكام الدستور فان هناك احكاما ومواد اخري يجب عدم اغفالها ومن ثم فان تعديل بعض المواد يغني عن المطالبة بدستور جديد اما عن وجود احكام ومواد صالحة في هذا الدستور كما كانت في كل دستور في العالم منذ الثورة الفرنسية بما فيها دستور المانيا النازية ودساتير أقزام الطغيان في جنوب افريقيا وعيدي امين في اوغندا ليس موضع جدل.


ومع ذلك تقتضي الاصول الدستورية المعاصرة التي لابد وان يستوعبها الدستور الجديد ولكن في اطار امتداد العطب الذي اصاب الدستور المصري الحالي من اتساع رقعة التعليق والتجاوز والتخطي والابهام يصبح الرداء الدستوري مهلهلا الي درجة يصعب معها تصور جدوي عملية الترقيع التي يخشي اعتراض طريقها من تناقضات تصعب المواءمة بينها كما يخشي أن امتداد رقعتها قد يضاعف التعقيد والتشابك بين كل المكونات تحت قيود الحزبية مما يصعب المهمة الي اقصي حد والذي يلح علي اعطاء الاولية لهذه الضرورة القومية هو أن اهم القوانين والممارسات والتجاوزات والعوائق المتفق عليها بين كل الاطراف الأزمة لن يمكن علاجها علاجا ناجزا دائما بدون اطار دستوري موائم وحاكم وشاغلي ومن ثم يصبح التغيير والاصلاح الدستوري والتشريعي المترقب عليه ضرورة ملزمة لاستيعاب المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية القائمة فعلا والمتصاعد قطعا وليس جريا وراء تطلعات حزبية او ضغوط خارجية. وعليه نظن ان الاصلاح الدستوري سواء كان مستهدفا التغيير الشامل او التجميل القطاعي سينتهي الي نفس النتيجة فالاسهل هو الطريق المباشر اليه .

 

رجوع الى مقالات