Banner
   

 دراسة الجدوي..السؤال الثالث..إنقاذ أمة ونظام (4)

جريدة الاسبوع 23 اكتوبر 2006 العدد 500
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/500/0213.asp

تحدثنا في مقالين سابقين عن معايير دراسة جدوي مشاريع الإصلاح والتغيير القومي وحددنا أول المعايير بالمصداقية التي هي ركيزة المشروعية التي لا يمكن للشرعية إلا أن ترتكز عليها، وبينا الجذور العميقة لفقدان المصداقية لخصائص النظام العقائدية والممارسية والمؤسسية وبينا نتائجها الجسيمة التي لابد أن يطرح المشروع القومي خطط عمل فعالة لعلاجها، ثم طرحنا المعيار الثاني وهو غياب الحياة الدستورية فعليا إما تعليقا بفرض الأحكام العرفية طوال عمر النظام وإما تجاوزا أو تخطيا بحكم التحول الجذري السياسي معاكسا لأحكام الدستور في مجال الاشتراكية والملكية العامة واتحاد القوي العاملة والأمن القومي والوحدة العربية والاستقلالية وعدم الانحياز والعدالة الاجتماعية والدور المركزي للعمال والفلاحين فعلا وليس شكلا وسيادة القانون والمشاركة الشعبية… الخ، وبينا أنه في ظل هذا الغياب الشامل لن يفلح لرفي الدستور أو ترقيعه مما يحمل المشروع القومي مهمة الاتفاق علي إطار دستوري متكامل ومتجانس ومحصن ضد التغيير والتشويه العشوائي.


ونريد أن نطرح السؤال الثالث في دراسة الجدوي عن المعايير المناسبة التي يجب علي المشروع القومي تحديدها وعن القوي المجدية والقادرة علي تحقيق المعايير السابقة.


واليوم نطرح سؤالا لا يتعلق بالوظيفة ولكنه يتعلق بمسئولية الصياغة والتنفيذ.


وليس هناك شك أن كل القوي السياسية الفاعلة أو المتطلعة لها رؤيتها بأحقيتها وقناعتها بقدرتها علي العطاء في هذا المجال، بل إن كل القوي المدنية والثقافية يبدو من أطروحاتها أنها تثق في قدرتها واستحقاقها لأداء هذه المهمة.


وعلينا أن نرحب بتعدد التوجهات والعطاءات في ظل الفراغ والأزمات المعقدة والمتشابكة التي أورثتنا إياها فترة غير معقولة من الجمود في ظل واقع وطني متغير ومحتقن وواقع إقليمي مأساوي وواقع عالمي مغتال وجارف ومن الطبيعي أن يحتد الخلاف علي أحقية كل القوي علي نصيب كل منها في هذا العطاء وفي إطار الأوضاع السياسية والتنظيمية القائمة والممارسة الموروثة، وواضح من مجريات الأمور وخاصة المؤتمر الأخير للحزب الحاكم أن المزمع هو أن أنصبة توزع بقدر نصيب كل قوة في احتكار مقاليد السلطة باعتبار أن أدوات السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية هي المنفردة بالفاعلية الواقعية وأن كل الأطر السياسية والمدنية والثقافية تعاني من انفصام عن القاعدة الجماهيرية إما بسبب الانعزال الفكري والسياسي الذي لابد وأن يورثه احتكار السلطة معتمدا علي الطغيان الإداري والإعلامي الهابط من قمم معزولة وإما بسبب انحباس في قمقم التهميش والحصار والكبت مما يقوض مبدأ المشاركة القومية.


وهذا ما دعانا في أول مرحلة التغيير إلي الدعوة لإزالة كل الحواجز التشريعية والأمنية والإعلامية وتحرير أسري السلطة وأسري التهميش من واقع الانفصام وعدم المصداقية واطلاق وتحرير الغالب والمغلوب من عقال التخلف والقصور الذي أوصلنا إلي الواقع الذي حتم التغيير والإصلاح كشرط مبدئي وأولي لتفعيل مجد لعملية الإصلاح والتغيير.

 

ونبهنا أنه من المستحيل في إطار النظم والممارسات التي أدت إلي التخلف أن تنفرد نفس النظم والممارسات بمسئوليات التغيير والإصلاح واعتبرنا أن هذه الثورة البيضاء ضرورة حاكمة للتعبئة لطرح نظم وممارسات بديلة قادرة علي التصدي لتراكمات وعقبات مرحلة الجمود.

 

وهي عملية علي صعوبتها واعدة لاتساع رقعة القوي الاجتماعية والسياسية الكامنة المتاحة صاحبة المصلحة والقدرة علي تحمل أعباء فرض وحماية التغيير والإصلاح والتي حتي في غياب الفرصة عبرت عن امكانياتها وإرادتها بألا تهمش مرة أخري واصرارها علي الاندفاع نحو البدائل المتاحة مهما كان توجهها. والفرصة كانت سانحة قبل التغيير المغلوط والانتخابات التي كان مفترضا أن تطرح بشائر آليات التغيير وليس ترسيخ النظم والممارسات التي فرضت الجمود واجهاض أمل التغيير والإصلاح.


فالوضع الحالي اصبح اكثر تعقيدا وأقل جدوي فالحزب الحاكم في ثورة انشغاله باستبعاد البدلاء فقد الفرصة الذهبية لطوق النجاة وهي الشراكة. أما الأحزاب المرخص لها ففجعت بانفضاح واقعها أنه تحت ظروف الحصار والتهميش فلم يكن مقدرا لها أن تخرج من نموذج المنابر المغلقة للتنفيس والترويح أما أجهزة الإعلام والإدارة والمال والأمن للأسف فقد ساهمت في حفز وتأكيد فقدان السلطة للفرصة الذهبية التي قد تصيب منافعها بالخسران.


وفي ضوء هذه النكسة تقع كل القوي السياسية والاجتماعية والمدنية فيما يصفه المثل البلدي بحيص بيص وأكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الحزب الحاكم هو الانفراد المقنع علي حذر واستحياء من احتكار نظمه ومماسارته السابقة مسئولية مهمة هي أبعد ما تكون عن خبرته وقدرته السابقة حتي بعد ما ظنه من تجميل وتغيير بعض وجوه كوادر الصادر والوارد منها العاجزة عن تخطي عائق التمثيل والمصداقية.


ولن يفيد الحزب تجميل قياداته باشراك عناصر منتقاة ومختارة من خارج كوادره المعمرة والمستهلكة بل لن يغنيه اشراك رمزي وشكلي للأحزاب المرخص بها علي قدر وزنها في ظروف تقزيمها وتهميشها.


وفي إطار هذه التعقيدات لم يبق إلا اختيار واحد وهو اشعال حوار قومي جارف مفتوح وشامل يتولي مسئولية تحديد الاختيارات وصياغة النصوص في إطار تحرر كامل من كل القيود والاستقطاعات التي لم يعد هناك داع لتكرار تعدادها وذلك بمشاركة كل المنابر السياسية والمدنية والنقابية والتعاونية والتعليمية والثقافية وفي هذا الاطار ضاعت فرصة ذهبية أخري بتأجيل الاستفادة من حراك الانتخابات المحلية التي كان يمكن أن تستعجل بدل أن تؤجل وتنتهزها السلطة لتأكيد صدق قناعتها بالمشاركة الحرة الديمقراطية كأداة تعبئة وتطويع التيارات السياسية والمدنية والمؤسسات الحكومية والقيادت السياسية نفسها كميدان وآلية صالحة لهذا الحوار الوطني وهو في تقديرنا أولية تسبق كل الأوليات وتباشرها في النهاية جمعية وطنية تأسيسية تمثل كل هذه القوي.


وهناك حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها وهي أنه لم يفلح أي نظام في العالم في التغيير والإصلاح الذاتي منفردا ولكن دفع ضحايا الجمود والتخلف هو لازمة لا مهرب منها. وقد يبدو أن مثل هذا التوجه يخالف طبيعة النظام الراسخة في الابتعاد عن التجديد أو مخاطر التصحيح. وهنا تبرز حقيقة تاريخية أخري وهي أن الجمود والتخلف أكثر مخاطرة من المخاطرة التي لا ننكرها للتغيير والإصلاح.


ولكن الاشكالية الحقيقية هي أن كل نظام لا يبني علي أكتاف قيادة منفردة مهما تخيلت بانفرادها ولكنه هيكل هرمي يجذب كل أصحاب المنافع والمصالح من المنتفعين من النظام وحقيقة تاريخية أخري هي أن المنتفعين والمتربحين في أغلب النظم كانوا العقبة الرئيسية دائما في نجاح هذه النظم في تحمل مسئوليات التغيير والإصلاح.


ومهما كانت توجهات المشروع القومي ومحتواه فلا جدوي منه ما لم يتعامل مع مشاركة اصحاب المصلحة والمسئولية في التغيير والإصلاح علي اطلاقهم وضمان تسليمهم المهام التي تحدد مصير المجتمع باعتبارهم القاعدة التي لن يصمد أي بناء علي غير أكتافها وبغير إرادتها، وأملي ورجائي أن يأخذ الحزب الحاكم هذه الأطروحات ليس باعتبارها معارضة ونقدا ولكنها محاولة مخلصة للاسهام في معالجة أزمة معقدة ومتشابكة لا تحتمل استبعاد مساهمة كل رأي مخلص خاصة بعد هروب مؤتمر الحزب الحاكم من مجابهة هذه الحتمية تحت تغطية عموميات الوعود المبهمة البايتة.. في تقديري أن هذه الفرصة الذهبية الثالثة والأخيرة لمشروع الحزب الحاكم

 

رجوع الى مقالات