جريدة الاهالى الاربعاء 21 ابريل 2004 العدد 1174
نعم سقطت ورقة التوت الذابلة عن العورة الامريكية فلم تعد المستعمرات منشأت غير شرعية ولم يعد الجدار مشكلة .. والإحتلال الذى لا تبدو له نهاية ، ولم يعد حق العودة ولا الحدود موضع تفاوض .
وبقى حق الاغتيال والاغتصاب والتدمير والعودة بعد الانسحاب حقا (للدفاع عن النفس) أما حق الفلسطينيين فى الدفاع عن النفس فهو إرهاب يجب على إسرائيل وأمريكا ، بل العرب أساسا استئصاله ، وسقطت ورقة التوت عن رعاية السلام (وبقيت رعاية الاستسلام ) والمصالح العربية المشتركة ، وسقطت ورقة التوت عما بقى من الشرعية الدولية ممثلا فى اللجنة الرباعية الحافظة لخريطة الطريق التى فرضها بوش نفسه بعد أن صفى الطريق وسدت كل المسالك
ولم تعد الاراضى السورية واللبنانية المحتلة قضايا تستحق حتى الإنكار .
وترك الأذكياء مشدوهين بعد أن رفضوا استقراء مدلول الفيتو المؤيد للجدار وأغتيال الشيخ ياسين . وذلك كله رغم النصائح المصرية الهادئة .
وتركت الأمم المتحدة والاتحاد الأوربى وروسيا مثل الأصدقاء العرب وقد تعرى عقمهم وانعدم وزنهم فى أغرب الأوقات التى يتعطش اليمين الأمريكى المتأزم إلى مساندتهم ودعمهم فى مأزقه فى أفغاستان والعراق وأركان المعمورة التى تتعرض لضربات الانتقام .
ولم تعد هناك جدوى من التعامى عن الحقائق العارية .. ولم تعد هناك مندوحة للعودة إلى الحقائق الأساسية للمواجهة المصيرية التى يتعرض لها العالم العربى وأول الحقائق الأساسية العارية هى دور الراعى ودوافعه.
فرغم أن الشرق الاوسط يمثل ركيزة استراتيجية مهمة للسياسية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة واستراتيجية الاحتواء . إلا أن المتغيرات العالمية الجديدة والقطبية الواحدة والعولمة والعقبات الجديدة التى أفرزتها حددت إطارا استراتيجيا شاملأ تزداد معالمه اتضاحا بعد أن طرحت أحداث 11 سبتمبر 2001 دوافع ومبررات وفرص جادة لبلورته .
وفى إطار التطورات الاستراتيجية العالمية للسياسة الأمريكية لابد وأن ينعكس ذلك على الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الاوسط بنتائج بعيدة الأثر وشديدة الخطورة .
فليس هناك شك أن الولايات المتحدة الآن تسعى بوضوح لفرض رعايتها على الأبعاد العسكرية والأقتصادية والسياسية والثقافية للنظام العلمى المعاصر ، وارتكزت فى هذا الغرض إلى واقع موضوعى لا يقتصر على الفروق الشاسعة بين قدراتها وقدرة سائر الدول ولكن المشكلة هى أنعدام الإرادة الجدية فى مقاومة هذا الغرض .
ومن الطبيعى أن فرض الرعاية على النظام العالمى يهدف ويقتضى خدمة المصالح والسياسات الأمريكية فى المقام الأول وتطويع النظام العالمى لهذه الخدمة ومن المقطوع به جدلاً أن هذه التطويع سيعرض بعض أركان الشرعية الدولية المقررة فى ميثاق الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية لتغيرات جذرية وسيصيب ذلك مصالح ، بل وكيانات دول كثيرة بأضرار بالغة .
وقد أسهم فى بلورة هذا الانقلاب فى الاستراتيجية الأمريكية العالمية العديد من العوامل أهمها : انتهاء الحرب الباردة وبروز مؤثرات عسكرية واقتصادية وساسية تحفز روسيا والصين على التنحى عن موقف التحدى والقبول بتضحيات فى سبيل التعايش الوقائى مع الولايات المتحدة .
فشل الاتحاد الأوربى فى تحقيق تقدم جاد فى مجال التكامل السياسى والعسكرى ودعم إسهامة فى رسم توجهات النظام العلمى .
هستريا الحرب
تواطؤ دول العالم كبيرها وصغيرها فى تهاوى دور الشرعية الدولية والأمم المتحدة ورابعها أحداث الهجوم الإرهابى المفزع على نيونيورك وواشطن وما تبعه من هستريا الحرب الصليبية على كل أنواع المقاومة فى كل أركان المعمورة تحت لواء محاربة الإرهاب دون تحديد لمواصفاته أو الاتفاق على آليه دولية يوكل إليها إدانته أو اختيار الأسلوب الأنسب للتعامل معه وانفراد الولايات المتحدة بهذه السلطة المفوضة للشرعية الدولية ومن ليس معنا وتبعنا ..فهو علينا .
فشل الآلية العسكرية الأمريكية الرهينه فى تحقيق إنجازات حاسمة ونهائية فى حرب أفغانستان وتكالبها على إيجاد بدائل طوعاً أو قسرا فى الشرق الأوسط وجنوب اسيا ودول شرق الاتحاد السوفيتى القديم للإبقاء على لهيب التحالف الدولى ضد الإرهاب الذى تنهار مصداقيته ، ويتأكل التأييد له بالمعايير الأمريكية فى أوربا الغربية والدول الآسيوية والدول العربية والرأى العام العلمى ، بل وما يقارب نصف الرأى العام الأمريكى نفسه وسادسها : الأزمة الاقتصادية التى يتأجل خروج الاقتصاد الأمريكى منها تتضاءل الثقة فيها داخل الولايات المتحدة وخارجها خاصة بعد أن كشفت عن الآثار السلبية الواسعة النطاق للعولمة على محدودى الدخل من الدول الفقيرة بل والطبقات الدنيا فى الدول الصناعية نفسها ، وما كشف عن فساد إدارة الاقتصاد نفسة وخيانته لأمانه المستثمر الأمريكى والأجنبى ، وما يؤدى إليه من تخوف المستثمرين فى الاقتصاد الأمريكى الذى يعتمد على الاستثمار الخارجى والداخلى فى تغطية الفجوة فى الميزان التجارى ، وميزان المدفوعات تقدر بمئات البلابين سنويا 448 مليار دولار ، فجوة فى ميزان المدفوعات أو ما يكفى لغطية عالمية لخلل الاقتصاد الأمريكى ونفقات حرب الآوسط .
فماذا كانت إذن مظاهر هذا الانقلاب فى الاستراتيجية الأمريكية العالمية ، أولها وأخطرها هو لفظ مبدأ التعدية الذى تقوم عليه مبادىء ميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادىء حلف الأطلنطى ومبادىء التوافق الاستراتجى مع العالم العربى وقواعد العولمة والتحالف ضد الإرهاب وكان رفـــــــــض الالتزام بيروتوكول ( كيوتو) لحماية البيئة العالمية ورفض الالتزام بمعاهدة وقف التجارب النووية ، والامتناع عن الاسلحة المضادة
للصواريخ ، ورفض معاهدة التخلص من الألغام للأفراد والمحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب ، واتفاق الرقابة الدولية على محاربة التعذيب ، ورفض نظام التفتيش على الأسلحة البيولوجية لمنع انتشارها وثم معارضة كل الجهود العربية الدولية لحماية الفلسطينين وارساء قواعد لتحقيق الأمن والسلام فى المنطقة والإصرار على تنحية كل الأطراف صاحبة المصلحة عن المشاركة فيها بما فيها الأمم المتحدة .
هذه بعض مظاهر الانفرادية فى الاستراتيجية الأمريكية العالمية الجديدة والتى تلخصها القيادات الاستراتيجية بحق تدمير مسبق لكل القوى المعارضة المحتملة حتى قبل أن تتوافر الأدلة على عدائها وخطورتها ، وذلك حسب المعايير التى ينفرد بتحديدها القصور فى اليمين الأميريالى الأمريكى .
من هنا تظهر خطورات التطورات للآستراتيجية الأمريكية فى الشرق الاوسط التى تتضاعف تهديداتها وتتشعب أشكال عدوانها باعتبارها ليست فقط شططا إقليميا له تداعيات عالمية ، ولكن باعتبارها حلقة فى سلسلة عالمية من التحولات التى لا تهد مصير وأمن العالم العربى فقط ولكنها تهدد بالامتداد لصميم الأسس والقواعد التى ارتكزت عليها قواعد النظام العالمى منذ استقرت معاييرة بعد الحرب العالمية الثانية ، ومن ثم تتعقد طرق معالجتها بكم هذا التشابك العالمى .
وفى إطار هذه الرؤية يتضح التسلسل المنطقى بين الدعم والتحريض الأمريكى لأبشع اجراءات العدوان الإسرائيلى فى فلسطين مع التحريض والتحفز لحرب عدوانية وغير شرعية على العراق إلى الهجوم غير المبرر ولا المفهوم على السعودية ومصر وتأييد تقسيم السودان فى عزلة عن المشاركة العربية والتهجم على إيران والسعى الحثيث لإعداد تركيا كشريك فعال عدوانى إسرائيلى أمريكى لإرهاب وإخضاع المنطقة . وأقتضاء الثمن الغالى من كل المجتمعات العربية عن القوى الأصولية التى مولتها ودعمتها الولايات المتحدة على مدى عقود طويلة ورغم أنف كثير من الدول العربية.
إن الاتفاق على الحقائق الأساسية العارية لحقيقة دور أستراتيجة الراعى أصبحت ضرورة ملحة ونحن على مشارف تصفية الحسابات الختامية والتى تشير كل البوادر إلى أنها تهدف ليس فقط إلى تغيير الخريطة السياسية لكل المنطقة بل أيضا إلى إحكام تاما ونهائيا إلى نهاية المستقبل المنظور بما يعنى ذلك من انقلاب اقتصادية وأمنية واجتماعية ، بل واتفاقية ليس لها حدود .
فهذا الاتفاق هو أول ضرورات التعرف على نقطة الانطلاق نحو تجنب الكوارث التى تعصف بكل أمال الاستقرار والسلام والتنمية ليس فقط فى العالم العربى ، ولكن فى دوائر عالمية تمتد إلى قارات وتستمر لأجيال .
ورغم أن الاستراتيجية الأمريكية والعالمية تحكمها كل هذه المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية فليس من الحصافة إغفال دور العوامل الأمريكية الداخلية فى تشكيل أساليب وأدوات التغيير عنها .
أطماع اليمين
فالإدارة الأمريكية الحالية لجورج بوش وصلت إلى الحكم مؤيد من أقلية من الناخبين الأمريكيين وبحكم قضائى ومع تحالفها من اليمين ( المسيحى) المتطرف وقمم الاقتصاد الأمريكى كانت معالم التأييد الشعبى محدودة وجاءت أحداث 11 سبتمبر التى مثلت كارثة قومية على المستوى الشعبى الأمريكى لتكون نقطة تحول وفرصة ذهبية لإدارة بوش تحت غطاء متطلبات الأمكن القومى لتحقيق كل أطماع اليمين المتطرف برضاء شعبى وفرضت قيودا على الحقوق الدستورية للشعب وعنبات حشودا عسكرية لا حدود لها ونشرتها فى أرجاء المعمورة دون دراسة جدية عن مهامها وجدواها وانعكاساتها وكشف عن توجهاتها الانفرادية واحتقارها لكل مستلزمات تدعيم الشرعية الدولية والتحالفات الصديقة والاستقرار العالمى ومارست الانفرادية ببجاحة وفظاظة غير مسبوقة تحت عبية غطاء مفتعل لمحاربة إرهاب غير معروفة حدوده ولامواصفاته وسرعان وما تكشف للعالم شمالا وجنوبا أبعاد الهوة السحيقة التى تدفع الإدارة الأمريكية بالشعب الأمريكى والعالم إليها أمنيا واقتصاديا وسياسيا بعد أن كشف القيادة العسكرية للقوة الأمريكية الرهيبة أنها ستحتاج لسنوات للخروج من مأزق أفغانستان فى ظل أزمة اقتصادية لم تتضح لها نهاية بعد .. وفساد فى الإدارة الاقتصادية لم تتضح كل أبعاده وتلكؤ من ادارة بوش لمعالجة جذوره ورشاش من هذا الفساد يتطاير نحو بوش نفسه ونائبة وتأكل شعبية سياستهم من أكثر 90 % إلى 53% وازدياد أصوات المعارضة إلى القيادات السياسية البارزة حتى وصلت لأعضاء الكونجرس الجمهوريين والخبراء والعسكريين بما فيهم مادلين أولبريت وجيمس بيكر وزيرا الخارجية السابقين وكاهن السيطرة الأمريكية الأعظم هنرى كيسنجر نفسه والإدارة على مشارف انتخابات الرئاسة بعد سنة لا ينتظر منها أن أن تنجح فى حل الأزمة الآقتصادية ، ولا حسم الحرب الافغانية ولا وقف المعارضة المتصاعدة من حلفائها فى ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين ومنظمة عدم الانحياز والجامعة العربية والاتحاد الافريقى والمؤتمر الإسلامى وأغلب العالم وشعوبه .
ولا الشكوك فى بريطانيا التى يتولى قيادتها رئيس وزراء يوافق 53% من الشعب على استحقاقه للقب كلب بوش المدلل وإثارة هذه الشكوك بمعرفة الكنيسة الكاثوليكية والإنجليكية والقادة السابقين للقوات المسلحة البريطانية وكثير من قادة الرأى بمن فيهم أعضاء مجلس النواب من جزب العمال وبعض الوزراء .
وناهيك عن المعارضة الصريحة والملحة من شعوب أوروبا والدول العربية ومن إيران وتركيا ومن الدول الآسيوية .
ثم هناك انتخابات الرئاسة نفسها بعد حوالى عام .ومن المشكوك فيه أن تكون قيادتها للسياسة الداخلية وخاصة الاقتصادية ركيزة لتجديد ولاية بوش. كقائد لحماية الامن الامريكى ومن ثم بدأ أن هناك مخرجين من المأزق المخرج الأول هو البحث عن شياطين جدد غير القاعدة لتجديد التأييد للقيادة والحشد الداخلى والثانى هو التغاضى عن كل المعارضات الإقليمية والعالمية أذا استحال ارغامها رغم ما يحمله ذلك متضاعف الأعباء والتكاليف على الولايات المتحدة واستحالى التحكم فى النتائج والمضاعفات التالية لها .
وفى ضوء هذه الضغوط الداخلية لا تبدو بلاهة خطط تصفية الشعب الفلــــــــــسطينى وضرب العراق أو مهاجمة ( محور الشر) بما فيه إيران ولا سذاجة الدعوة لاحتلال أبار البترول السعودية أو تجميد أرصدتها التى أخذت فى الهروب على أن حال ولا إحداث تغييرات سياسية جذرية فى العالم العربية على رأسه مصر وتقسيم السودان وتصفية القضية الفلسطينية بالآلة العسكرية الإسرائيلية بل وإشراك إسرائيلى فى الهجوم على دول عربية .
إن الادارة للرئيس بوش ليست مجرد آلية لتحقيق الأطماع الصهيونية فى اسرائيل الكبرى. ولكنها تحت سيطرة يمين أمبريالى متطرف لا يمكن الحساب الدقيق لاندفاعاته وأطماعة كلما استحكمت أزمته الداخلية أو الخارجية ومرة أخرى فإن الاتفاق على العوامل الداخلية المؤثرة على خطط ودوافع الإدارة الأمريكية فى حاجة ماسه للتركيز عليها كضرورة للوصول إلى نقطة لتفادى الكوارث المحيطة بالمنطقة والعالم ، إن اغتيال فلسطين بتحريض ودعم أمريكى لا تحكمة مجرد أطماع اقتصادية واستراتيجية أمريكية فى المنطقة ، ولكن الفصل الأول فى سيناريو المعركة كبديل للعولمة التى لفظتها الولايات المتحدة بعشرات المواقف المعارضة للإجماع العالمى وعدائها السافر للشرعية الدولية وأدواتها فى الأمم المتحدة وهى مغامرة وإن رفعت أعباء المقاومة والمعارضة الفلسطينية والعربية ، ولكنها أيضا ترفع التكلفة والتحديات على الأهداف الأمريكية بزرع بذور مقاومة ومعارضة عالمية ليس عن فلسطين أو العراق ، ولكن عن النظام العالمى كله .
نقطة الارتكاز
إن التحول الاستراتيجى للسياسية الأمريكية العالمية يتجه بوضوح مفزع لتوسيع دائرة رعاياه لتشمل كل أركان المعمورة مسقطا القناعات التقليدية الماضية كحلفاء وأصدقاء وشركاء كل له دوره فى تحديد معالم النظام العالمى المشترك وتزداد حدة هذا التوجيه وتشتعل اثاره فى نقطه الارتكاز الاستراتيجى الأمريكى الساخنة مثل الشرق الأوسط وجنوب وشرق اسيا .
ولكنها تزحف باصرار وحده نحو أصحاب القواعد والقدرات لخدمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية خارج نقط الارتكاز الساخنة مما يثير بلبلة و مخاوف كل الحلفاء والشركاء والأصدقاء السابقين إضافة للمعارضين المستهدفين .
ويضاف إليه أسباب هذه البلبلة والخوف والمعارضة والمتحدة الأمريكى للعديد من الاتفاقات الدولية فى المجالات الأمنية والبيئية والاقتصادية وارساء قواعد العدالة واحترام حقوق الشعوب والإنسان … وهى الأسس التى بدونها يستحيل التوافق على معالم النظام العالمى وتبقى الساحة منفردة للنظام الأمريكى الجديد ولا تستحى الإدارة الأمريكية فى استخدام كل الأسلحة الآقتصادية والسياسية والآمنية فى تحقيق هذا الهدف .
وفى إطار الآزمة العسكرية والاقتصادية التى يجابهها الجناح اليمينى المتطرف لا يصح أن نستهين بتخريفات أبواقهم من مستشاريهم على أعتاب معركة انتخابات الرئاسة التى تتحسن توقعات الديمقراطيين فيها . . فعندنا يصرح والتررسل ميد رئيس مجلس الأمن بأن الامريكيين لا يثقون فى الأوربيين لآن التهدئة والتراضى هى طبيعتهم الثابتة ويصرح كاجان أحد كهنة السيطرة الأمريكية العالمية ليحدد أسباب عدم الثقة فى الرعايا الأوربيين ويدعى أن تمسك الآوربيين بعالم متناسق معتمد على قوانين وقواعد ومفاوضات متعددة الأطراف هى انعكس لضعف أوربا, أما الولايات المتحدة الأمريكية فترى أن القوانين والقواعد الدولية لا يصح الاعتماد عليها ، وأن الأمن الحقيقى يعتمد على نظام (ليبرالى) يمتلك ويستخدم قوى عسكرية ساحقة .
ويرى كاجان أن أمريكا قادرة على المحافظة على النظام العالمة دون أى مساعدة ذات وزن .
ولعل أكثر الخبراء قسوة فى شرح تطور الرؤية الأمريكية للرعايا الأوربيين والعالميين ، وخاصة أنه أذلى بداية فى اجتماع المنظمة الأوربيبة للدراسات الأمنية .
إن حقيقة الخطر على العلآقات هو ليس حدوث أزمة بينهما ، ولكن الخطر الحقيقى هو أن تفقد أوربا مدلولاتها وأهميتها بالنسبة للولايات المتحدة ، أو بمعنى أخر تفقد مبررات المشاركة والتحالف التى يقوم عليها تحالف الأطلنطى وميثاق الأمم المتحدة . والرعايا العرب الذين تدمى قلوبهم وهم يرون القضية الفلسطينية تختزل إلى التخلص من عرفات وطرد قادة منظمة التحرير والرضوخ لإعادة احتلال كل الأراضى الفلسطينية والاغتيال والحصار والتدميروالتجويع كحق إسرائيلى مشروع فى الدفاع عن النفس ، كما يجب على كل الدول العربية دعم وخدمة أغراضة رغم الإصرار على أمتداد التدميروالقتل إلى العراق والتهديد خريطة المنطقة وعلى رأسها مراكز القوى فى مصر والسعودية وسوريا وإيران ومنطقة الخليج بالكامل ، وتختزل قضية العراق إلى تدمير مقوماته وتغيير خريطة المنطقة بصرف النظر عن أسلحة الدمار الشامل ونسف كل أسس الاستقرار والسلام داخل بلادهم لإعادة تفضيلها على المزاج الأمريكى - الصهيونى ويوقع عليهم العقوبات بل يصل الأمر بأحد الخبراء اليمينين إلى احتلال ابار البترول السعودى على اعتبار أن سائر دول الخليج ستسلم ابارها طواعيه ، وأبار العراق ستغزى ثم تجميد كل الأرصدة السعودية فى الولايات المتحدة والتى يقال إنها تصل إلى 700 ميل دولار ومباركة تقسيم السودان .
ومن ثم ليس غريبا أن يقنع 80 % أو ما يقاربه فى سكان الدول الأوربية الكبرى أن الاستراتيجية الأمريكية ليس لها هدف إلا خدمة الأهداف الأمريكية وليس غريبا أن يتأكل التأييد من الأمريكيين للهجوم على العراق من 74 % إلى
35 % ولا غريبا أن يتاصد الاعتراض من القادة المدنيين العسكريين وكبار السياسة ليس فى أوربا فقط ولكن فى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ضد توسيع الحرب فى الشرق الأوسط وتجميد القضية الفلسطينية.
العصف بالشرعية
ليس معقولا الاستنتاج أن رسم ادارة السياسة الأمريكية الخارجية يتم من القدس المحتله إن الإدارة الأمريكية لا تخرج عن أن تكون أداة تنفيذية لهذه السياسة لا يقام لمصاقيتها أو غيرها وزنا . ورغم أن كل الشواهد تثير الشبهات الفاضحة حول هذا الاحتمال من انهيار مواقف الرئيس بوش بشأن وقف الإحتياج والانسحاب من الأراضى الفلسطينية المحتله إلى مشروع القرار الأمريكى بالنسبة للجنة تقصى الحقائق فى جنين ورفض دخول قوات رقابة دولية لحماية الفلسطينين إلى عدم الالتزام بدعم مسيرة السلام إلى إخلاء مسئولية السفاح شارون من الفضائح وجرائم الحرب غير المسبوقة تحت ستار الدفاع عن النفس وتحميل الزعيم البطل عرفات السجين مسئولية المقاومة الشرعية للاحتلال والاغتيال والتدمير بعد تصفية اإدارة لقوات الأمن الفلسطينية والإصرار على امتهان دور الأمم المتحدة والشرعية الدولية وتهميش الاتحاد الأوربى وإغفال الموقف العربى والعالمى .
فالحقيقة لو قبلنا هذا التفسير بالنسبة لأى دولة كبرى وما بالك بالدولة العظمى ، فإننا نثير الشبهات حول توزان القوى الاستراتيجى العالمية الذى يحكم النظام العالمى كله والمرتكز على الحقائق العسكرية والاقتصادية والسياسية لذا التوازن والذى لا تملك أية دولة صغيرة أو حتى كبيرة ، وإن كانت الربيب المحبوب القدرة أو الحرية على زعزعته .
إذن ما صحة استقراء ما يحدث من غرائب ومهازل السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط ، لا شك أن تعامل الإدارة الأمريكية الحالية فى هذا المجال اتسم بالتضارب والتردد وانعدام الكفاءة بل أحيانا بالبلاهة ولكن هذا لا يعنى انحرافها عن الاستراتيجية الأساسية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .
فجذور هذه الاستراتيجية الثابته هى احتواء منطقة الشرق الأوسط عسكريا واقتصاديا وسياسيا احتواء مؤمنا بتجريد دول المنطقة من كل قدرة على المخالفة أو المقاومة وتعليق كيانها على التبعية واستدعاء السيطرة الأمريكية كضرورة لفرض سيطرة القطبية الأحادية وارساء قواعد العمر كله بعد أن استنفذت العولمة أغراضها
على عكس ما يدعى بعض المحللين ، فإن السياسة الاستراتيجية الأمريكية لا تاتمن الدول ولا الشعوب العربية على حماية مصالحها الأمريكية ( المشتركة ) فى المنطقة ، ولكنها تأتمين السيطرة العسكرية الإسرئيلية على
تحقيق هذا الهدف بأقل التكاليف وأقل الخسائر . إيماناً منها بأن الدول العربية عازفة أو غير قادرة على تعريض المصالح الأمريكية للخطر رغم التحذيرات الطنانة والالتماسات واإنذارات الملحة.
يخطئ بعض المحاليين فى استقراء الموقف الأمريكى بعد العدوان الثلاثى على مصر عند الإصرار على الانسحاب فعلى العكس هذا الموقف منسجم تماماً مع الاستراتيجية الأساسية فقرار الانسحاب كان موجهاً أصلاً إلى تطلعات فرنسية بريطانية للمشاركة فى الهيمنة على الشرق الأوسط وهو ما لا ينسجم مع الإستراتيجية الأمريكية إن قرار الانسحاب تأديباً للانحراف الإسرائيلى بالخروج عن الطاعة الأمريكية عن طريق البحث عن شريك منافس للسيطرة الأمريكية كما كان تفادياً للمواجهة بعد الإنذار السوفيتى .
لهذا كان الفيتو الأمريكى على المطالبة بالانسحاب الإسرائيل بعد نكسة 1967 ومخطط كيسنجر كاهن الاستراتيجية الأمريكية – اإسرايئلية والتعامل مع مفردتها منفصلة تحقيقاً للهدف الأسمى ورفض الانسحاب الإسرائيلى تدعيماً لكفاءة آلية الهيمنة وامتداداً لسطوتها وفاعليتها بعد حرب عام 1973.
وقد سبق لنا الإشارة فى مقالات سابقة إلى أن محادثات متعمقة أجريتها مع كبار الاستراتيجيين الإسرائيليين فى همبورج قبل حرب عام 1973 انتهت باتفاق عام بأن سيناء لابد وأن تبقى مصيدة لكل جيش أو تواجد عسكرى ومن ثم أكد الخبراء الإسرايئليين عزوفهم عن الاحتفاظ باحتلال سيناء ولكنهم أكدوا أيضاً الاصرار الإسرائيلى على تجريدها من الاستحكامات العسكرية المصرية حتى تتحول من مصيدة للجيش الإسرائيلى إلى مصيدة للجيش المصرى وحتى تخرج مصر من أى مجابهة عسكرية مستقبلية مع القومية العربية .
ولقد أثبتت إسرائيل قدرتها الفائقة كأداة لإحكام السيطرة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة بأعلى كفاءة وأقل تكلفة وخسارة للجانب الأمريكى ومن ثم استحقت كل المكافآت والدعم بل التحريض والتواطؤ الأمريكى ليس بخضوعها للوبى الصهيونى الأمريكى أو العالمى انما لخدمة الأطماع المشتركة .
والنتيجة الحتمية لهذا النجاح هى السعى المشترك لتشريع وتقنين تداعيات النكسة والنكبة الحالية على الصعيد العربى كله إلى العراق أولاً ثم السودان ثم الصومال ثم دول الخليج ومصر وسوريا والأردن .
إلغاء الشعب الفلسطينى
ولا يصح أن ننسى أن البلاهة العربية تسهم بإصرار فى دعم هذا التوجه مثل ما حدث فى حرب اليمن وعزو العراق للكويت ووقوع مصر فى مصيدة تبرير الهجوم الإسرائيلى فى عام 1967 والتسليم بالانفراد للراعى الأمريكى بالتحكم فى المستقبل العربى والموافقه على تنحية الأمم المتحدة وأوربا وسائر دول العالم .
ومأساة إسباغ المشروعية على تداعبات النكبة والنكسة واضحة فى المواقف الإسرائيلى – الأمريكى الحالى وهى انعكاساً للتحول فى الاستراتيجية الأمريكية العالمية من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الهيمنة والسحق المسبق لأى مخاطر أو مقاومة مستقبلية محتملة .
فالموقف الإسرائيلى المعلن والمشهر حتى إذا تغاضينا عن مطالب اليمن المتطرف والتهجير وإخلاء الأرض الفلسطينية من سكانها لصعوبة التنفيذ هو تجريد التواجد الفلسطينى من الأليات الفاعلة العسكرية والسياسية والاقتصادية بل والارادة دون أن يرقى إلى هذا الموقف لإلى مستوى ضم الأراضى الفلسطينية إلى حدود إسرائيل ما قبل 67 الذى يعرض التوازن العرقى فى فلسطين المحتلة إلى انقلاب خطير على مستقبل الصهيونية هذا يقتضى ليس فقط تجريد السلطة الفلسطينية من كل سلطاتها وفاعليتها وأجهزتها بل وتوظيف هذه السلطات للفاعلية والأجهزة لحماية السيطرة والاحتلال الإسرائيلى بشكل صريح ومشروع ثم القضاء على كل مصادر الدعم المحتمل من الدول العربية أو الاتحاد الأوربى أو الأمم المتحدة حرباً أو إرهاباً والموقف الأمريكى لم يطرأ ما يبرر تغييره فمازالت إسرائيل هى أكثر الآليات فاعلية وأقلها تكلفة وخسائر لفرض السيطرة الأمريكية وانفرادها بل واستدعائها من الجانب العربى وليست الاستراتيجية الأمريكية من البلاهة بحيث تهدر هذه الآلية الناجحة استجابة للاستغاثة والمناشدة والرجاء العربى المقلم الأظافر.
إذن ما الذى بقى للفلسطينين والعرب لتصويب وترشيد هذا الخلل الاستراتيجى القاتل هناك اختياران لا تقل صعوبة وأعباء أى منهما عن الآخر الأول هو استكمال التحذيرات العربية المصرية والسعودية والاردنية عن المخاطر التى تتعرض لها المصالح الأمريكية فى المنطقة والانتقال من مرحلة الملاحظة والملاطفة السياسية إلى مرحلة إثبات الجدية والمصداقية لهذه التحذيرات مما يعنى قدراً من الحزم يحمل فى طياته مسئوليات وأعباء ضخمة ولكنها ليست أكثر ضخامة من المخاطر المحيطة بالمصالح والمستقبل العربى إذن ما بقى ليس الشرعية الدولية ولكن ما بقى هو الفاعلية العربية .
وإذا ما ثبت أن الصداقة العربية أكثر كفاءة وفاعلية من العدوان والوحشية الإسرائيلية فى المحافظة على المصالح المشتركة وأكثر ضماناً لحمايتها من المخاطر وإذا ما ثبت أن مجاراة هذا العدوان والوحشية سيعرض المصالح الأمريكية لخطر دائم سيعود سيناريو العدوان الثلاثى والاختيار الثانى هو الاعتراف بأن العالم العربى غير عازم ولا راغب فى تحمل أعباء هذه المواجهة فالحل الثانى هو رفض كل محاولات إصباغ الشرعية على تداعبات النكسة والنكبة والمحافظة على ما لم يفرط فيه وعدم تقنين ما تم التفريط فيه لأن إيقاع التاريخ وتطوير العالم العربى والرأى العام العالمى بل والأمريكى والإسرائيلى على المدى الطويل يبشر باحتمال انهيار فاعلية الكبت والتدمير والوحشية والسيطرة الغاشمة العالمية .
كما انها تحمل فى طياتها بذور التحدى والصادم مع دول العالم أجمع على المدى الأطول وهنا تقبع نقطة الضعف والخطورة الرئيسية ليس على العالم فقط بل على الاستراتيجية الأمريكية نفسها .
والاستراتيجية الأمريكية العالمية الجديدة بقدر ما تحمل من مؤشرات للانفرادية والهيمنة فهى تحمل أيضاً مع تطبيقاتها الإسرائيلية بذور حفز رد الفعل المضاد ليس فى ليشرق الأوسط بل فى أركان المعمورة كلها
رجوع الى مقالات |