جريدة الاهالى الاربعاء 4 أغسطس 2004
عندما تدق الساعة لابد لكل المواطنين من الإصرار على مشاركتهم الندية فى كشف هذه الغمة بأقصى ما يملكونه من إدراك ووعى .
ولاشك أن التطلع والتحفز للتغيير يحتاج كل الفئات والمسئوليات والتوجهات ولكن يبقى السؤال البديهى تغير ماذا ؟ والى ماذا؟ ومع كثرة الإبداعات والاستنباطات الهاطلة … نرى ضرورة للتأصيل والتحليل المنهجى للإجابة على هذين السؤالين الحيويين . فالنظام الذى أرسى قواعده السادات نظام استثنائى فى ظروف استثنائية .من قيادة استثنائية ومن طبيعة ظروف الاستثناء هذا أن يكون له عمر افتراضى تنتهى صلاحيته بعده والظروف الاستثنائية كانت متعددة ومعقدة من احتلال سيناء إلى ما رأه من تحويل من الحياد الإيجابى للتوافق مع التوجيهات الأمريكية التى ترسخ اعتقاده أنها تملك وحدها مفاتيح الحلول وما ترتب على ذلك من طرد الخبراء العسكريين السوفيين والتنسيق مع كيسنجر الذى انتهى بتجريد سيناء من السلاح لأول مرة منذ عهد الفراعنة وفض عروة القومية العربية نهائيا وتوقيع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية والاعتراف بذلك بحق إسرائيل باحتكارها فى المنطقة والتحول السياسي والاقتصادى الثورى الذى سمى بالانفتاح والذى فى رأى الكثيرين التزم بالتوجه السياسي وافتقر إلى الوعى الاقتصادى .
ولسنا فى مجال نقض أو تبرير هذه التوجهات ولكننا نريد أن نؤصلها .. فإن كل هذه التحويلات لم يكن من الممكن أن تتم فى إطار أسس نظام الرئيس عبد الناصر الذى عرف بالشرعية الثورية ومن ثم كان لابد من استبدالها بما يتعذر إيجاد عنوان لها غير شرعية السلطة وتصفية ما سمى بمراكز القوى ثم التجارب المرتجلة التى انتهت بتركيز غير مسبوق فى دستورية لسلطة الرئاسة الدائمة والقوانين الاستثنائية واحتكار أجهزة الإعلام الفعالة وأسر العمل السياسي بأحزابه ونقاباته وجمعياته الأهلية وسلطاته التنفذية والتشريعية تحت وصاية السلطة بعد قرن ونصف من ثورة عرابى وما يقرب من قرن من ثورة 1919 التى كافحت لإرساء أسس حضارية معاصرة لها . ثم إطلاق مدة رئاسة الجمهورية لتعود مصر لتقاليد عهد المماليك بحيث يصبح تغيير السلطة موكول إلى قوة السلاح أو عزرائيل ولا شأن للشعب المصرى به رغم غطاء ما سمى بالاستفتاءات .وكيفما كانت الحجج المستمرة للاستثناء .. من صوت المعركة إلى الإرهاب إلى فجور إسرائيل والدعم المسبوق الأمريكى إلى الأزمة الاقتصادية إلى حرب العراق .. فإن منطق هذه الحجج هو ديمومة الاستثناء إلى أبد الآبدين حتى يرسخ كقاعدة أبدية وامتهان للواقع المحلى والدولى الذى تتجدد مشاكله وتحدياته ولا يجد وسيلة للإفلات من أغلال الاستثنائية من أجل مسايرة التاريخ والعصر والمرتبة الحضارية التى تستحقها مصر والمنطقة
ثم إن هناك بعدا حضاريا لا يمكن إغفاله.. فكيف يمكن لإدارة فردية وبطانتها المنتفعة أن تقبل أن تتمادى على طول الأحقاب .. وتتحمل منفردة مسئولية وسلطة ممارسة الوصاية على سبعين مليونا منهم عشرة ملايين على الاقل من المثقفين وكيف يمكن للسبعين مليونا أن يتحملوا تمادى وديموية هذه الوصاية استثناء من الدول الآسيوية وأمريكا الاتينية وكثير من دول أفريقيا التى تتعرض لتحديات سياسية واقتصادية وأمنيه لاتقل – إن لم تزد - خطورة عما يدعى أن مصر تتعرض لها .
ثم سؤال أخر : كيف يمكن حساب وضبط نهاية هذه الوصاية وسلامة تصفيتها فى ضوء الأوضاع الاستثنائية التى تحجب الاحتبارات الحرة التى تعزز احتمالات ولادة البديل وبلورة توجهات قومية مؤدية إليه وترك الساحة مفتوحة لقوى الفوضى والتطرف لكى تترسخ وتطرح البديل الفعال الوحيد المتاح ؟
وعليه يبدو من وزن المشاكل والتحديات التى يطرجها العصر والتى تعانى منها الدول الصغيرة والكبيرة ما يقطع بأن مبررات الاستثناء بل صلاحيته التى انتهى عمرها الافتراضى وتحولت إلى معوقات وقيود على التقدم تقتضى تصويب أوضاع مصر بإزالة المعوقات إزاله كاملة ونهائيا واستثناف تجربتها التاريخية التى حولت ثورة 1919 إرساءها بدستور 1923 رغم التشوهات والعراقيل التى فرضها الاحتلال والملكية والاقطاع .
وهنا أختلف مع كثيرين من المطالبين مع كثير من المطالبين بالتغيير .. ففى رأيى أنه يخالف لكل دروس التاريخ إن يطلب من الجهاز التنفيذى والتشريعى الذى .. نما وتمرس على الاحتكار أن يتحمل مسؤلية وعبء التغيير بإرادة قومية متحررة واختيار شعبى منطلق ليس متاحا تحت الظروف الحالية ومن هنا يجب أن نبدأ بالتصويب فإزالة كل القيود على المشاركة والتفاعل لأصحاب المصلحة وأمة والمصير من خلال التفاعل الشعبى بإلغاء القوانين واللوائح والمحاكم الاستثنائية وقوانين ممارسة العمل السياسي والأحزاب والجمعيات الأهلية والنقابات وإطلاق الحرية غير المقيدة واحترام أحكام القانون المدنى مع ضمانات تتعامل مع الظروف الطارئة لفترة محددة وغير قابلة للتجديد مثل ما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا دون الإخلال بالثوابت الدستورية والحقوق الأهلية للشعب والإنسان وتحت ولاية دستورية وقانونية حاسمة .
ولابد أن يصاحب ذلك تحرير كامل لأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبى من وصاية السلطة وأن يعهد بها إلى هيئة قومية مستقلة ومحايدة ومحصنة من تدخل السلطات فى شئونها على سبيل النظام الذى يحكم الإذاعة البريطانية وبعض الصحف البارزة فى بريطانيا مثل “الأوبزرفر” و”الجارديان” وتبقى الجرائد الحزبية مثل “الاهالى” و “الوفد” و “العربى” و “مايو” للمنابر الوليدة التى تتحرر من وصاية السلطة وفى هذا الإطار ومن خلال هذه البيئة وفى تقديري وفى فترة لن تتعدى نصف العام سوف تتاح الفرصة للجماهير للتاهل للديمقراطية التى كان الرئيس جمال عبد الناصر دائم التأكيد على أنها لا تترسخ إلا بالممارسة وأن ممارستها مهما كانت الأخطاء التى ترتكب باسمها تحمل فى طياتها آليات إصلاحها بعكس أخطاء الوصاية التى لا تحمل فى طياتها إلا آليات الديكتاتورية وقد اعترف المغفور له الزعيم جمال عبد الناصر بذلك بعد الهزيمة ولو امتد به العمر لعاونته على تصويب الأوضاع .
ولعلى أختم مقالتى هذه بالتدليل على عدم أهلية الهياكل التنفذية والتشريعية وليدة الوصاية والاحتكار بمثال هامشى ولكنه بعيد الدلالة فعند التفكير فى بداية التغيير لابد من اتخاذ قرار بإلغاء الأوامر العسكرية التى تحد من حرية الاجتماع وحرية التعبير عن الرأى فهى تشبه إحكام الأمر العسكرى بأحكام قانون 1914 الذى وضع بعد إعلان الحماية البريطانية على مصر لحماية القاعدة البريطانية الخاضعة للولاية القضائية الدستورية وقانون 1923 الذى وضع لمحاولة احتواء مكاسب ثورة 1919 ووجه العجب هنا هو العقلية التى لا تميز بين رموز الكبت ومقتضيات الصالح العام وهذه العقلية هى الوليد الطبيعى لشرعية السلطة والوصاية والديمومة رغم أنف الزمن والعصر .
بعدها ستحل مرحلة التصويب ومرحلة الإصلاح ثم التغيير بإجماع وإرادة قومية وهما موضوع المقالات القادمة
رجوع الى مقالات |