Banner
   

 ممارسات لا شرعية ولا مشروعة

جريدة الاسبوع 29 يناير 2007 العدد 513

إذا سمحت الأوضاع الدستورية والقانونية بتعطيل أحكام الدستور لربع قرن ،وإذا سمحت بتخطى اسس الدستور فى التوجه الاشتراكى والملكية العامة واتحاد القوى العاملة والقومية العربية وعدم الانحياز وحرية الرأى واشترطت ممارسة العمل الوطنى فقط بترخيص وتحت رقابة السلطة وألقت بالمئات فى المعتقلات دون اتهام أو محاكمة واحتكرت وسائل الإعلام وحرمت تداول السلطة واشتهرت قوات السيطرة والرقابة على كل العباد فى إطار أو أوضاع دستورية وقانونية تجيز كل هذه التجاوزات فإن هذه التجاوزات على بشاعتها تكتسب صفة الشرعية .


ولكنها بالقطع لا يمكن أن تكتسب صفة المشروعية بحكم القيم الانسانية ومعايير ومواثيق الشرعية الدولية وقيم الديمقراطية والعصر.


وإذا كانت الاوضاع التشريعية القائمة تسمح لإدارة فردية أن تحدد مستقبل مصر والمساحة المسموح بها من تغيير وإصلاح وعمق وجدية التغيير فى هذه المساحة .

 

وإذا كانت الأوضاع التشريعية القائمة تسمح لأن توكل سلطة الصياغة والاعتماد لحزب السلطة الذى لم يحصل إلا على تأييد أقليته الهامشية من جملة عدد النخبيين المقيدين والذى لم يرفض أمر للسلطة على مدى عمره مقابل الأغلبية الساحقة المعتزلة والمستقلين والأحزاب كما بينت قرار الموافقة على تعديلات الرئاسة .


فإن هذه الممارسات تكون للأسف شرعية ولكنها بالقطع لا تمت من قريب او بعيد للمشروعة بصلة لا بمعايير حضارة ونضوج الأمة ولا بمعايير العصر والعالم وأعرافها ومواثيقها ولا بمعايير واقع التحديات التى تحيط بالامة داخليا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وخارجيا بما تتعرض له المنطقة من صدامات ومذابح ومخاطر واختراقات وتواضع القدرة والأرادة على التصدى لها ومصر فى القمة هذه المخاطر .


فسلامة الممارسة ومشروعيتها فى مثل هذه الظروف تعادلان سلامة المحتوى والنصوص تعادلان سلامة المحتوى والنصوص الاصلاح والتغيير وعدم مشروعية الممارسة هى مؤشر مغلق إن لم يكن مفزعاً لعملية التغيير والإصلاح المنعقد عليها الأمل وقد جاءت قائمة التعديلات كما بينا فى مقالنا السابق لتقطع الشك باليقين ان قدرة وطاقة النظام تقف عند نصف قفزة وليس قفزة كاملة وحتى مع هذا فهى تصف القفزة الخاطئة التى تحصن أسباب الخطيئة والتخلف .


فإذا اردنا أن نلخص التغيير والإصلاح فى جملة واحدة مفيدة فاننا نقول إن التغيير والإصلاح هما تطابق الشرعية القائمة مع المشروعية المفترضة ومن المؤسف أن التعديلات السابقة للدستور والاستفتاء والانتخابات والحكومات التى تلتها لم تقترب من تحقيق هذا المعيار .


ومن بين كل هذه الحوداث التى جرت بعد التبشير بالتغيير والأصلاح فلا شك أن تجربة تعديل المادة 76 كانت تجربة مؤسفة لنا جمعيا ولمصر من قمتها إلى قاعدتها وعلينا جمعياً أن نستوعبها ونبنى على استيعابها مستقبل توجهها واتجاهة .


فقد اثبتت لمصر ما سبق وثبت للعالم المتحضر منذ قرون انه لا الفرد ولا مجموعة من الافراد يمكن أن تقيم نفسها وصية على شعب يضم ملايين المثقفين وتستلهم حلولا لمشاكله وتأميناً لمصالحة فى غيبة أو غيبوبة لهذا الشعب والأمة جمعياً مسئولة عن تجنب أن تلدغ من الجحر مرتين وليس فيها من يربح بالتغافل عن الدرس ومدلوله بما فيها السلطة.

 

ولاشك أن حديث الرئيس فى إفتتاح الدورة البرلمانية يلمح على هذا المعنى تفادى تحديد المسؤليات والزلة فى الحقيقة كان لا يمكن أن تكون على غيرها هذا فى إطار الإصرار على التمسك بكل تجاوزات عدم المشروعية فأحكام الدستور معلقة منذ ربع قرن وقواعده الأساسية ثم تجاوزها بإرادة السلطة وليس برغبة الشعب وأليات وأساليب المشاركة ليس لها وجود وعلى المدى ففرص التبديل والبديل محرمة بل ومجرمة وأفلح الجمود فى ترسيخ فراغ سياسى ومؤسسى تملؤه قوة البطش والسيطرة وسد كل منافذ الهروب من هذا الفراغ بالأحكام العرفية والاستثنائية وبإحتكار العمل السياسى فعلا ووسائل الإعلام وأبدية السلطة التنفذية .


وفى هذا المناخ لم يكن من النطقى ألا يخطر على بال النظام أى شبهة تبادل للسلطة أى أن كل هذه السلطات والاحتكارات والأبديات فكرة وعقيدة ليست مطروحة للنقاش أو التبديل كما أكد السيد أمين عام الحزب عنا وهذا يقودنا ألى محتوى التغيير والإصلاح فلاشك أن تغيير المادتين 76, 77 ضرورة ملزمة لإقرار أول أسس الديقراطية وهى تداول السلطة التداول المحصن والمحمى ليس فقط من أحكام متخلفة فى الدستور والقوانين ولكن التداول المجرم اعتراضه أو تشويهه والالتفاف حولة ولكن ما هو الذى نريد أن نتداولة ؟هل هى كل التجاوزات والتشوهات التى أولدها الجمود أى هلى تريد للجمود أن يكون متداولاً أو لأن المقصود بالتداول هو تداول المسئولية بعد أن تطهر من كل هذه الشوائب والتشوهات ليكون التداول هو تداول اختيار وقرار الشعب الحر الفاعل وليس السلطة الغاشمة وأدوات كتبها؟ وإذا ذا أخذنا فى الاعتبار أن الحكم الدستورى غير قائم فعلا أما بحكم تعليق أحكام بالاحكام العرفية والقوانين الاستثنائى وأما يتجاوز أسسه فى ضوء تحول اتجاه السلطة 180 درجة منذ السبعينيات وترسخ التحول فيما تلاها ونظام الحكم لكنه فى نهاية المطاف هو استقراء لأسلوب الممارسة التى بنى عليها أول نظام يقترب من الديمقراطية فى بريطانيا دون دستور مدون ولكن من خلال ممارسة مشروعة .

 

والممارسات السائدة فى مصر سواء تلك التى سبقت عليها الأوضاع الدستورية المرفوضة شرعية أو تلك تفتقر إلى الشرعية والمشروعة معاً هى النقيض المضاد لكل متطلبات الإصلاح والتغيير.


فلا يمكن أن يدعى أحد أن اهداره إرادة الشعب والجحر على فكرة وارادته وإرهاب المتحفز منه بالقطع يرتكز الى تراث متراكم من الممارسات والأجهزه القائمة عليها وبها ولا يمكن للإصلاح أن تقوم له قائمة دون إزالتها وحتى تتحكم أحكام الدستور فلا يصح ولا يمكن تجاوزها وحتى تسود قدسيته فلا يناله تعليق مهما كانت المبررات والحجج الواهية والمزيفة فلابد أن تعبأ القوى القدردة على حمل أعباء وحماية أساليب العمل المتحضر والحر والمشروع ولابد أن يجرم كل تشوية أو تعطيل لاحكام الستور وكل الممارسات المؤدية الى ذلك وتشكل الأجهزة والآليات القادرة على ممارسة وحماية أسلوب العمل الجديد وإذا انطلقنا من استيعاب هذه الفرصة لوضح لنا عظم المهمة الملقاة على عاتقنا وعمق التغييرات والإصلاحات التى تقتضيها أعباء هذه المهمة ومدى التعمق والتمحص اللازم دون عجلة وارتجال .


ان الإطار الدستورى والقانونى كله فى حاجة الى جهد مكثف ودؤوب لإعاده صياغته دون تحديد لمساحته أو عمقه ليس فى إطار يحتمه تداول الجمود ولكنه فى إطار تداول الحركة والتطور والتحرر ولا أظن أن هناك وسيلة إلى إعادة الصياغة الكاملة للدستور ولكن مع ضرورة حتميته هى أن تتم إعادة الصياغة فى إطار تطهير مصر من الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية والحدود على العمل الوطنى السياسى تتحرر وسائل الإعلام من الاحتكار الحكومى وتكفى متابعة تصاريحهم وإشهار انتصاراتهم والفرح بما يدعون من انجاز فى مجتمع تكاد أغلبيته تعجز عن توفير الغذاء لأسرها أو العمل أي السكن أو العلاج لمرضاه أو الأمن والسلامة لأفراده وكأنهم يعيشون فى مجتمع أخر لا يعرفه الشعب ولا صلة لهم به ولا هم يعرفون غيره إن هذا ليس مجرد مغالطة ولكن لأن ممارسة الجمود والانفراد لا تعزل السلطة عن فكر وتوجيهات شعبها ولكنه فى الواقع يعزلها اجتماعيا عن معاشها وواقعها ومعاناتها .

 

فهل يمكن أن يؤدى انفراد مثل هذه السلطة بما يحلو لها أن تسمية بالتغيير والإصلاح إلا كارثة الفشل والنقوص .؟!
إن الهدف يجب أن يكون انقاذ السلطة من هذا الخطأ حتى يمكن إنقاذ الأمة من تراكم تباعته فمن غير النطق والمعقول أن التوجيهات إن لم نقل الصلاحيات والحق فى الانفراد بالتغيير والإصلاح فهذا هو صلب التوجه الديمقراطى فعندما يستنفر توجة احتمالاته وفاعليته فلابد أن تتداول المسؤلية إلى منظومة جديدة نبأ صفحة جديدة غير مثقلة بالتجاوزات والأخطاء والارتباطات والمصالح والتطلعات والممارسات وهذا هو القبول الذى تقوم علية التبادلية الديمقراطية ولكن هذا القبول يبدو خارقا للعادة المتاصلة فيمن درجوا على استبعاد الديمقراطية وترعرعوا فى إطار الاوتوقراطية وهو ما يحملنا جمعياً مسؤلية تجنبهم وتجنب الأمة عواقب هذا الذلل .


إن احتقار السلطة على هذا المدى الزمنى الطويل يلقى على اكتاف ممارسيها أعباء ضخاما ليس من باب القبول بمبدأ تداولها ولكن من باب الاستعداد السياسى والنفسى والمصلحى فى تخطيط تصفية آليات وممارسات احتكارها وفى ظل هذه الوضاع التى لا يحمل الله نفيها فساً إلا وسعها تقع المسؤلية الاساسية فى هذا التخطيط للتصفية على كل الوطنيين المخلصين الذين أسعدهم حظهم بعدم اسهام ودعم الجمود أو أولئك الذين رجعوا عن غيهم وتابوا إلى ربهم عن هذه
الكبيرة إن نظاماً غير قادر على تغيير قياداته على مدى ربع قرن من الطبيعى أن يرى فى التغيير أى تغيير يقتضيه الإصلاح نوعاً من الإسراف والاسفاف لأن الحال على ما هو عليه لوز وقشطة ومن ثم فإن مخالفة الممارسة فى هذه الرحلة للمشروع من الممارسات لها آثار من الخطورة ما يحتم رفعها إلى جموع الأمه فالممارسة غير المشروعة لابد وأن تولد نتاجاً غير مشروع غير القابل المقبول والتأييد ومن ثم لا يمكن أن يكون أساسا للسلام والوحدة والاستقرار ثم هو يقضى على الاستمرارية والدوام وهى أول مستلزمات الدستور .

 


ومصر فى منطقة ملتهبة تعانى بعضها من ويلات الانفجار ويتوجس البعض الآخر من مخاطره القادمة وهى منطقة يتلمظ ويتنمر حولها الطامعون والمتسلطون ومصر مع غيرها تواجه أزمات اقتصادية سياسة واجتماعية معقدة غير قابلة للحلول بغير التضامن والتضحيات المشتركة والتوافق بين فئات تختلف مصالحها وتطلعاتها ومصر مع غيرها تفتقر مؤسساتها إلى الكفاءة والادراية والممارسة على التصدى الفعال لهذه التحديات وفى هذا الإطار لابد أن تلتزم بممارسات مشروعة تحقق التعدية والتوافق والمشاركة فى تحمل الأعباء فكما إن أحكام دستور التغيير والإصلاح ستؤدى إلى تحقيق هذه الغاية أو اجهاضها على قدر سلامتها أو قصورها .


فإن ممارسات عملية التغيير والإصلاح وقنواته وآلياته هى أيضا ستسهم بنفس القدر فى انجاح واجهاض الوصول للغرض المنشود وبقدر ما أثارت التعديلات المطروحة فى قلقا وانزعاجا على ساحة وعمق التغيير والإصلاح بل على جدواه وفاعليته فإن ما طرح من ممارسات صياغة هذه الرؤى عبر قنوات وأليات فاقدة للمصداقية والصلاحية يجب أن يثير نفس الدرجة من القلق والانزعاج لأنه قد يؤكد ترسيخ نفس التوجهات وعلى الحاكمين والمحكومين تحمل مسؤلياتهم قبل هذا الخطر الداهم

 

رجوع الى مقالات