Banner
   

 ممارسات لا شرعية ولا مشروعة

جريدة الاسبوع 19 فبراير 2007 العدد 516
http://www.elosboa.com/elosboa/issues/516/makalat12.asp

بيٌنا في مقالات سابقة ان مشروعية الممارسات تعادل أهمية نصوص أحكام الدستور بل انها في الواقع في الدول النامية تفوقها في الأهمية والفاعلية .. دليلنا علي ذلك افتقار بريطانيا أعتي الديمقراطيات حيث لا يحكمها دستور مكتوب ولــــكن مجموعة من الممارسات المشروعية والمتفق عليها يضمها ما يسمي القانون العام common ودللنا علي ذلك بالواقع المصري الذي تحظي أحكام دستور الحزب الوطني الاساسية فيما يتعلق بالملكية العامة والتوجه الاشتراكي وسيادة اتحاد القوي العاملة.


ولعل هذا هو المحرك الأصيل لتعديل الدستور اضافة لتعطيل بقية أحكام الدستور باحكام عرفية دامت ربع قرن.
ومن ثم فالذي يحكم مصر هو الممارسات وليس نصوص الدستور وبيٌنا ان هذه الممارسات تحت هذه الظروف قد تكون شرعية ولكنها بالقطع غير مشروعة واليوم نريد التعرض لممارسات جديدة يشك في شرعيتها أو مشروعيتها معا.


تصريح وزير الاستثمار يوم 22 يناير بانه سيتم طرح 100 شركة إما ملكية عامة وإما مشتركة للبيع وذلك ضمن برنامج كلي لبيع جميع مجالات الشركات العامة أو خصصتها التجارة الداخلية والصناعة والمقاولات.


وتصفية الملكية العامة تجري بهمة علي مدي سنوات حكم الحزب الوطني ولا أريد ان أناقش مشروعية هذا في ظل أحكام الدستور القائم والذي يدافع عنه الحزب الوطني فذلك مهمة المحكمة الدستورية والأحزاب ذات التوجه الاشتراكي أو الناصري.


ولكني أريد ان أناقش مشروعية هذه القرارات.. أغلب الظن ان هذا القرار لم ينفرد به الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار لانه لا يمكن ان يكون المتسبب في الوصول إلي هذه الدرجة وحسب ما ينشر من معلومات فليس هناك دليل ان مجلس الوزراء هو الذي اصدره لان اصداره يحتاج لعشرات الجلسات ومئات الدراسات والبحوث الاقتصادية والاستراتيجية والاجتماعية والمجلس الموقر يشهر بمبالغة كل نشاطاته ولم يرد ذكر ذلك في أجهزة الإعلام ومن المعروف ان السياسة الخارجية والدفاعية والمؤسسات الرئاسية لا تخضع لولاية مجلس الوزراء في ظل النظام الرئاسي القائم ومن ثم يفترض ان هناك مطبخا في الرئاسة يتولي عميق الدراسات والتصميمات والحوارات ومئات الخبراء وبيوت الفكر التي تخدم هذا المطبخ .. ولكن ليس للرئاسة حسب ما يعلم مطبخ اقتصادي بمستوياته وخبراته وبيوته وحلقاته ممن ثم يشك ان يكون هذا القرار قد نضج في مطبخ الرئاسة.


فمن اذن هو الذي يتولي طبخ هذه القرارات المصيرية والتي لا تشكل واقع مصر بل تشكل مستقبلها ومن هو الذي لا يهمه رأي الخبراء والعلماء وذوي الخبرة والمصلحة ومن هو الذي لم يعتبر قراره الدراسة الرائعة العلمية والموضوعية التي نشرتها جريدتكم الحرة للأستاذ الدكتور علي السلمي وزير التنمية السابق والذي ناشد فيها تجنب مخاطر الخصخصة؟
ومن هو الذي يحتمل هذا العبء المعقد والمتشابك عن كاهل مجلس الوزراء والمجالس النيابية والمجالس المخصصة والرأي العام المتنور ويكتفي بافادة جميع هؤلاء بقراراته؟ ومن هو الذي أوكل إلي وزير استثمار الإعلان عن قرار سيادي بدلا من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية؟ ومن هو الذي اسقط كل تجارب عمليات الخصخصة الماضية فلم يرد علي ما أحدثه من بلبلة وانقسام لم يعتبر وجوب ترسيخ أسس وان يشهر معايير ثابتة تحكم تعبئة المال العام كما هو الحال في جميع الدول بما فيها أغني الدول الرأسمالية والامبريالية.


وهل هذا القرار هو قرار اقتصادي أم سياسي اقتصادي بمعني انه استند إلي قواعد تحمي المصالح الاستراتيجية وتقتصر علي علاج الوحدات الخاسرة وتفرض مضاعفة رأس المال وزيادة الطاقة الانتاجية واحداث طفرة تكنولوجية وتأهيل العمالة وضمان نسبة عالمية للتصدير وتحديد حق الانتفاع بالأرض والعقارات لمدة محددة ورقابة علي الاسعار والأجور بما يحمي حق المواطنين.


أم أن القرار سياسي المقصود به تطبيق سياسات البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية ويطالب الاقتصاد الأمريكي والسوق الأوربية التي هي نفسها لا تخضع لهذه السياسات.


وكيفما كان القرار من هو المسئول عنه اليوم وغدا وسيسأل عنه بعد سنين مهما طال بقاؤهم في السلطة لان اهدار المال العام لا يصح ان يكون مخالفة تسقط بمرور الزمن مهما طال.


ان حديث أجهزة الإعلام الحكومية يتحدث عن المجموعة الاقتصادية المكونة من غالي ورشيد ومحيي الدين فهل تتمتع بصلاحيات مثل صلاحيات رئاسة الجمهورية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وهو بالقطع غير مشروع .. ثم ان أجهزة الإعلام تتحدث عن لجنة السياسات في الحزب الوطني ثم عادت وارتفعت بها ان تكون مجلس السياسات ثم فوجئنا بانها أصبحت المجلس الأعلي للسياسات ولم تعرف هل هي أعلي من الأمانة العامة التي تتبعها أم المجلس الرئاسي الذي يرأسه رئيس الحزب؟ والمجموعة الاقتصادية في مجلس الوزراء يمثلون مركز قوة في هذه اللجنة أو المجلس وانهم يمثلون الجناح اليميني الجديد داخل هذه اللجنة وهم يملكون الأجهزة المساعدة لرسم سياساتهم فهل هذا هو الجهاز الذي ينفرد بهذا الشأن المصيري والخطير لكي يفرضوا سياسيا المقصود به تحول سياسة تتفق مع توجهات العولمة.. دون أخذ الضمانات التي تأخذها أغني وأرقي الدول لمنع اضرارها أم هل الهدف الاقتصادي هو تغطية العجز في الموازنة العامة التي بلغ العجز فيها ما يساوي 8 % من الناتج القومي الاجمالي وهو أعلي عجز بين 86 دولة ذات وزن والتي تصدر بها بيانات أسبوعية.
أم المقصود هو تغطية فوائد ديون الحكومة التي يكلفها 7.5 مليار دولار سنويا.


وهنا يثور تساؤل علي ممارسة الحكومة التي مازالت فاتحة لباب الاقتراض الداخلي والخارجي ومازالت تسرف في اسفاف علي مظاهر الفخفخة وما يمثلها من طوابير السيارات الفاخرة التي تسبق وتتبع موكب كل مسئول أو غير مسئول والقصور الفخمة ومازالت قطاعات هامة من الميزانية غير خاضعة لانضباط أو رقابة من المجالس النيابية أو ديوان المحاسبة منها مؤسسات الرئاسة والدفاع والمخابرات وغيرها من المؤسسات المختارة ومازال الاستثمار بتوجه إلي مشاريع ليس لها مردود عاجل ومازالت الاعفاءات والتسهيلات تنهمر علي مشاريع لا تساهم في قيمة مضافة أو تقدم تكنولوجي أو صادرات مجزية.


وكل مجالات ترشيد الانفاق هذه لا تلغي عناية الجناح اليميني الجديد أو اليساري ان وجد وكذلك ترشيد موارد الدولة في إطار من العدالة الاجتماعية.


وعلي أي حال هل تتبع الدولة سياسة المد من الذي يبيع أثاث بيته وكتب أولاده ثم يبيع مسكنه نفسه لسداد ديونه لا يمكن اقرار كل هذه الممارسات لحكومة تنفرد بمفردها علي المجتمع.


أي ان هذا الاتجاه ليس فقط فاقدا للمشروعية ولكنه فاقد للمنطق والمعقولية ولابد أن يكون موضع دراسة من القطاعات العريضة صاحبة المصلحة والاحتياجات والتي في النهاية تتحمل العبء وتدفع الثمن من دمها وعرقها وجوعها وفقرها.
وكل هذا يطرح سؤالا جذريا ومفصليا : ما هي جدوي مخالفة نصوص التعديلات المقترحة اذا كان النظام في مجال الممارسة لا يعطي لها وزنا ولا يلتزم بحدود بل ما هو وزن الدستور نفسه إذا كان يتخطي ويعطل الخروج علي أحكام ممارسة السلطة الثابتة؟ وما جدوي فصل السلطات إذا كانت مسئوليات المستويات وحقوقها اذا كانت الممارسة كل يوم وعلي كل مستوي غير مشروع ان حسم هذه القضية وضمان مشروعية الممارسة تجهض مدلولات وتحصنها وتعرضها للحساب والعقاب تحظيها هي ركن أصيل من أركان الاصلاح والتغيير وكل مجريات الأمور تشير إلي أن الممارسة تزداد انقلابا وعشوائية ولا تخدم إلا المصالح الذاتية والاطماع والتطلعات ولم تقترب عملية الاصلاح والتغيير من هذا الخلل الخطير من قريب أو بعيد.


ولم يعط الرأي العام المتنور الأهمية والتركيز المستحق لهذا الشأن.

رجوع الى مقالات