|
طـرق التنميـة أمـام خيـارات الحـزب الوطنـي
الجمعة 26 سبتمبر 2003 العدد 127
من الأهمية للحزب الوطني أن يستثمر رأس ماله السياسي أساسا في مجابهة استراتيجية طويلة المدي للتعامل مع اندفاعات وانفلاتات العالم المعاصر الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية التي لم تترك دولة واحدة دون ان تحاصرها بمجموعة من التحديات المتشابكة والمتضاربة لم يتأهل أي من النظم الموروثة بعد علي التعامل معها, سواء كان ذلك في نظام الاقتصاد الموجه او قوي السوق او العولمة او القطبية او التحالفات الاستراتيجية او الشرعية الدولية.
وفي ضوء هذا المنعطف التاريخي المتخم بمتغيرات بعيدة الغور تتوزع اهتمامات الدول بين معالجة الأزمات والاحتياجات الحادة والعاجلة وبين ضرورات وضوح الرؤية نحو الحتميات طويلة المدي التي تكفل لها درجة من الضمان نحو مستقبل اكثر استقرارا ويزيد من تعقيدات مهام الدول ضرورة ان معالجة الازمات الحادة لا جدوي منها مالم تمهد وتصب الي الحلول الجزرية طويلة المدي التي تطلع إليها شعوبها والانسانية عامة واستحالة ايجاد حلول كاملة للطوارئ العاجلة.
واذا تركنا جانبا أحاجي السياسات والعلاقات السياسية والاستراتيجية الدولية مع تأكيدنا علي اهميتها القصوي فإن احاجي التنمية الشاملة والمستديمة والتي لم تخرج بعد من طوره الاحلام والاماني بالنسبة لغالبية دول العالم التي تمثل الفريسة الاولي لهذه الاحاجي التي تبنت توجهات الدول حتي تلك التي تمت بقدر كبير من النجاح استراتيجيات تسوية واضحة المعالم مثل دول جنوب شرق آسيا والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وامريكا اللاتينية.
ونحن في مصر لسنا مستثنين من هذا الوباء العصري, ولا غافلين عن محاولة التعامل مع مفرداته.
فقصور الاستثمار والذي نعيش يوميا في فيض من الرؤي المبهرة من الباحثين ورجال الاعمال والحكومات عن توجهات معالجة ازمته الحادة لم نقترب بعد من اسلوب سد نقصه الكمي ولا كفاءة استخدامه مما يبدو معه
ان الاعفاءات والحوافز والحماية في الحدود المتاحة علي مدي ربع قرن ليست هي الحلول الفعالة والمتكاملة التي تتوازن مع ما يمثله هذا التوجه من مضاعفة في ازدياد الخلل في الموازنة العامة وتقليص نصيب البنية الاساسية والخدمات العامة ومنها البطالة التي تحد من القوة الشرائية للسوق, وبذلك تحد من الضمان الحيوي للانتاج المحلي ولا تتعدي قدراتنا اليوم عن زيادة عدد العاملين غير المنتجين في الاجهزة الحكومية والمحلية وبأجور لا تسهم في انعاش السوق المحلية ولا معالجة مشاكل الاسكان وتأمين كيان الاسرة والاجيال الصاعدة ومع ذلك فتكاليفها تزيد علي امكانات الموازنة وكذلك العلاوات الاجتماعية السنوية التي تعاني نفس هذه المضاعفات, ومع كل ذلك فإن ثلث الموازنة تبلعه هذه المحاولات المستميتة والتنمية الانتاجية والتي تنصب فيها كل جهودنا ومواردنا تبتلع عائدها الطاقة الانتاجية المعطلة او متدانية الكفاءة والمخزونات المتراكمة وتقلص القدرة الاستيعابية للسوق المحلية وشراسة المنافسة غير المتكافئة من الواردات التي تميزها الدعم المرفهة في الدول الكبري وتحميها من المنافسة العادلة في نظام مالازال فكاهة تسميته لنظام التجارة الحرة والذي لا مهرب لنا من الكفاح في ظله سواء كان هذا التميز في المنتجات الزراعية او النسيجية او انتاج القطن او الحديد او تجارة الشركات المتخطية الجنسيات التي تدعم احتكارها بالاضافة لجبروتها باعفاءات ضريبية أحوج ما يحتاج لها المستهلك الجائع في الدول الفقيرة لمصلحته ومصلحة الاقتصاد العالمي ايضا.
والتعليم والاسكان الذي لا تبخل الدول عن توجيه انصبة متزايدة من مواردها المحدودة اليه( ومع ذلك لا تصل حصة الفرد من هذه الموارد الي4% من حصته في الدول المتقدمة في قطاعات التعليم.
تعجز قوي السوق بالنسبة لغالبيته العظمي من السكان عن الاقتراب الي بداية حلول يمكن ادعاء انها نقطة انطلاق نحو الحلول الكاملة علي المدي الطويل المأمول. ومع ذلك فإن ضمانات استكمال البنية الأساسية للاستيعاب وللاستفادة من الناتج ليس لها نصيب في حلول الطوارئ العاجلة.
وانخفاض معدل النمو الذي تعاني منه الدول الكبري من الولايات المتحدة الي السوق الاوروبية الي البيان تمثل تحديا متصاعدا لمصر بعد ان انخفض الي نحو3% مقارنة بالمعدل المستهدف الذي يدور حول8% سنويا وهو الحد الذي يستوعب زيادة عدد السكان واعباء خدمة الديون ومتطلبات الامن الداخلي والخارجي المتزايدة. واستكمال البنية الأساسية والارتفاع بمستوي المعيشة الي حد الكفاية لغالبية السكان وتكوين الرصيد الاستثماري اللازم لمواصلة النمو وما يقتضيه هذا الهدف من اعباء ضخمة في رفع كفاءة الاستثمار وخفض النفقات وتحصين البنية الاستثمارية من العقبات البيروقراطية والتسيب والفساد وترشيد علاقاتنا الدولية في اطار من الندية التنافسية والمنافع المتبادلة وايجاد توازن بين ضرورات الاستيراد وامكانات التصدير والوصول الي استقرار سعر الصرف مع العملات الصعبة ورفع كفاءة الثروة البشرية ابتداء من القيادة العليا الي العاملين في الحقل وتمحيص حاد للاولويات والجدوي في توجيه الدعم والحماية الخ وكل من هذه الضرورات لها انعكاساتها واعباؤها علي الحلول العاجلة لكثير من الطوارئ الملحة.
ومشكلة الانتاجية التي هي في نهاية المطاف الضمان الاصيل لتحريك معدل النمو متشابكة المداخل والمتطلبات بداية من التعليم الي التدريب الي التطور التكنولوجي وكفاءة التخطيط والادارة والتنظيم والتسويق الي استقرار البيئة الاقتصادية والسياسة المالية والتواصل مع تطورات السوق العالمية والتجاوب الرشيد والعاجل مع متغيراتها والموازنة بين تناقضات خفض التكلفة واحتياجات علاج البطالة وتدهور القدرة الشرائية للسوق, وتنامي القطاع الأسود العشوائي من الاقتصاد المحلي, واقتحام مجالات المحاكاة والابداع والابتكار التي هي ركيزة النهضة الباهرة في الصين والتي كانت الركيزة لطفرة نمور جنوب وشرق آسيا منسية في اطار انغماسنا في اطفاء الحرائق العاجلة والطوارئ الملحة وهي منسية في مستوي التعليم والتدريب وهي كذلك في مجال الادارة والتخطيط والمشاريع القومية والخاصة بل هي كذلك حتي في اطار ما يسمي بجوائز الدولة ومؤسسات البحث والدراسات العليا برغم اجماعنا جميعا اننا مثل الصين ركيزتنا الاساسية والواعدة هي الثروة البشرية وليس فائض الموارد الطبيعية, وان اهدار وتغريم وعقم هذه الثروة هو اهدار وتبديل لمستقبل الامة.
ومع كل ذلك لا يمكن لباحث جاد ومنصف ان يدعي بقدرته علي اضافة عبقرية مستجدة الفيض من الآراء والابداعات التي تراكمت علي مدي العقدين الماضيين في معالجة مفردات التنمية وخصوصيات كل من مشاكلها الملحة, سواء كان ذلك من الحكومات المتعاقبة او الباحثين والمفكرين او المستثمرين ورجال الاعمال او المؤسسات العامة والخاصة او حتي المؤسسات والمنظمات الدولية والاجنبية.
حتي وان عانت كثير من هذه العطاءات من نقص في استقصاء والانعكاسات السلبية لبعض حلول المفردات التنموية علي مفردات اخري لا تقل عنها اهمية او نقص في محاولة ربط وتكامل حلول هذه المفردات في صياغة تراكمية متكاملة نحو الاهداف التنموية الشاملة.
وفي ضوء هذا الفيض من لبنات البناء علينا ان نوحد توجهاتنا القومية عما اذا كانت هذه اللبنات يمكن ان تبدد في تخبط عشوائي يمكن ان يبدد هذه اللبنات في بناء صرح كمقابر الفراعنة تدفن فيه آمال الجماهير, وان كان شاهدا علي عظمة مرحلة او هو من خلال الدراسة والتمعن والحوار الشعبي الموضوعي المنطلق الذي سيرسي اساسا لبناء مستقبل زاهر ومتصاعد للاجيال القادمة ويعبئ الدولة والقطاع الخاص والجماهير للالتزام بمتطلبات التنمية الشاملة والمستديمة بخطواتها التراكمية والتراضي علي عمل المسئوليات والاعباء المضنية التي ستترتب علي هذا الالتزام بإجماع ومحاسبة قومية.
ولاشك ان الادراك والوعي بهذه الضرورة يشغل كل المستويات وربما ان تلاحق الازمات والمشاكل الداخلية والاقليمية والعالمية وما تقتضيه من علاجات عاجلة ومرهقة ارست ايديولوجية اطفاء الحرائق في حياتنا العامة والخاصة, واذكر انه في اوائل الثمانينيات شرفتني الدولة بعرض السياسة القومية التي أشرفت علي صياغتها مع300 من خبراء جميع القطاعات علي الجمهرة البارزة من الوزراء وكان إدعائي انه بالاعتماد الالتزام بسياسة قومية متكاملة سيضمن خلال25 عاما ان تدخل مصر في مجال الندية التنافسية وبعد العديد من الساعات علي مدي عدة جلسات لفت نظري احد السادة الوزراء ان حدثني بدوره حول25 عاما في حين ان مشاغل الدولة الملحة ملزمة بالتعامل مع25 يوما أو الأسبوع القادم وفي لقاء خاص فيما بعد مع احد الوزراء النابهين حاول ان يطيب خاطري عن هذا الاعتراض الذي أثار ردي المزعج فشرحت له ان انزعاجي لم يكن من توجهات شخصية الوزير ولكن انزعاجي كان لصراحته في التعبير عن واقع ممارسة تحدد مساحة وزمن مسئولية القيادة مما يترك الغد وبعد الغد دون تدبير.
واظن اننا بلغنا نقطة الحقيقة فإن الغد وبعد الغد سيلا حقنا حتي وان عزفنا عن ملاحقته لهذه هي طبيعة العصر والعالم الذي علينا معايشته شئنا أو لم نشأ.
والعقبة الكبري امام تحقيق هذا الهدف هي ان الآليات التي ارتكزت عليها خلال المرحلة السابقة سواء كانت اتهامات شخصية او تقارير بيروقراطية أو مؤتمرات أو ندوات عابرة ثم منسية لا تفي بأغراض هذا الهدف الذي لا يمكن التعامل معه الا بالدراسة المتصلة والحسابات المضنية وتفاعل كل الكفاءات والخبرات صاحبة المسئوليات والمصالح الرسمية والخاصة والفنية علي جميع المستويات والقطاعات دون استثناء وهو نمط وأسلوب نحن أشد الحاجة لاستيعابه واعتماده ليس فقط لأنه ضرورة لبلورة رؤيا قومية, ولكنه أيضا لازمة المحاصرة والعولمة.
ثم إن هناك ضرورة دولية لا يصح إغفالها وهي التعاون الدولي سواء كان في شكل معونة أو دعم او مشاركة او تجارة او استثمار له مصلحتان أساسيتان لا يمكن اغفالهما
وأولاهما التأكد من جدوي التعاون بأشكاله المختلفة علي المدي الطويل الذي يكفل تحقيق الردود للمانح او المستثمر.
وثانيتهما التأكد من جدوي التعاون علي تحقيق الاهداف المحلية التي تمثل للمانح كسبا سياسيا واستراتيجيا ملموسا ودائما ولهذا لم نفاجأ برغبة خبراء المعونة الأمريكية في1982 في رغبتهم في مضاعفة دعمهم للمشروع القومي الذي شرفت بالاشراف عليه لوضع سياسة قومية للتنمية العلمية والتكنولوجية رغم ما أبداه كبير خبرائهم بازدحام دوسيهي الشخصي في واشنطن بالمتاعب التي سببتها لهم في المحافل والمنظمات الدولية كمتحدث باسم الدول النامية وذكرني بالمثل العربي القديم عدو عاقل خير من صديق جاهل.
وكذلك لم نفاجأ باستعداد منظمة الصناعة العالمية في1997 بالرغبة في التعاون في برامج اعادة صياغة السياسة القومية بما يتلاءم مع التحولات الجزرية المحلية والدولية, وكذلك لم نفاجأ بالرغبة الذكية التي ابداها أ. د/ سليم الثلاتلي المشرف علي مشروع الاتحاد الاوروبي لتحديث الصناعة المصرية لدعم الجهد الحالي في مشروع تأمين مستقبل الصناعة المصرية والذي يعيد ترشيد الاستراتيجية القومية في ضوء المتغيرات المتلاحقة الاشتراك مع الوزارات والاتحادات المعنية.
ولقد أجاب البنك الدولي عن هذه التساؤلات والحيرة التي تنتاب البعض عن الاهتمام الاجنبي بهذه الهموم القومية, ففي تقريره الذي نشرت ملخصه احدي الجرائد اليومية يوم10 أغسطس الماضي يوضح( صعوبة وضع استراتيجيات فعالة للتخطيط) في ظل التباين في مؤشرات الفقر في مصر في مختلف الاجهزة المصرية المعنية مما استدعي ان يقوم البنك الدولي بدراسته الخاصة بالتعاون مع بعض الخبراء المصريين والتي اتجهت لرفع نسبة الفقر في مصر الي أعلي بكثير من المؤشرات الرسمية حتي تصل الي40% في المتوسط مع اختلافات مهمة اقليمية وتصل نسبة الفقر الشديد الي17% حسب تقديرات هذه الدراسة الاستطلاعية.
وبصرف النظر عن مدي كشف أي من هذه الدراسة للحقيقة, وبصرف النظر عن ان هذا التضارب في المعدلات التي يجب علي الاستراتيجية التعامل معها ليس الا واحدا منها ومعه البطالة الصريحة والجزئية والنوعية والانتاجية والادخار والاستثمار والبنية الاساسية والثروة البشرية والقوة الشرائية والطاقة الانتاجية المهدرة او المعطلة وركود السلع المحروقة والخدمات الاساسية والادارة والانتظام.
فتبقي الرسالة الاساسية للبنك الدولي حاكمة وملحة وهو تفرد صياغة استراتيجية قومية دون جهد تحضيري متعمق وجاد لتصوير الواقع الذي يمثل قاعدة الانطلاق نحو المستقبل الذي يمثل الاهداف والاماني.
ومن كل هذا نخلص الي ان استراتيجية التعبئة القومية الشاملة للتعامل مع أعباء صياغة استراتيجية قومية اصبحت ضرورة قومية اقتصادية واجتماعية وسياسية وحضارية وامنية, كما انها كذلك ضرورة دولية وعصرية وكل تقاعس في المبادرة في التصدي للتحديات فيه إهدار لكل هذه الضرورات.
رجوع الى مقالات |