Banner
   

 تنمية أم الدنيا علي مشارف ألفيتها التاسعة‏(1)

يمر العالم العصري المراهق بمشارف ألفيته الثالثة عبر منعطف تاريخي مشحون بالتغيرات من بشائر تقدم غير محدود إلي مخاطر أزمات غير محسوبة ومن تضاخم قوي غير محكومة إلي تداعيات ضعف غير معفي‏.‏
وتمر أم الدنيا مع عالمها المعاصر بشائره ومخاطره من منطلقات ذاتية قاصرة عن المشاركة الندية في البشائر والتوقي المجدي من المخاطر‏.‏


ولأن هذا القصور الذاتي متعدد الأبعاد ومتشابك العناصر‏,‏ فلا يمكن علاجه من خلال سياسات إطفاء الحرائق وتفادي الكوارث كيفما كان إلحاحها ولكن من خلال أن يتم ذلك في إطار استيعاب قومي لحقيقة البشائر والمخاطر والقصور‏.‏

 

والاستيعاب هو ليس مجرد الفهم والإدراك وهو لله الحمد لا ينقصنا‏,‏ ولكن الاستيعاب أن يصبغ هذا الفهم والإدراك كل سياستنا وتخطيطنا وإجراءاتنا علي المستوي القومي حكومة وشعبا علي المدي الأطول امتدادا والأكثر رسوخا وهو ما نفتقر إليه‏.‏


ولا أريد أن أرسل القول علي عواهنه بأن أعطي الانطباع أن هذا الخلل في الاستيعاب خاص بأم الدنيا‏,‏ أو أنه هفوة يمكن تصويبها ببضع أفكار مبتكرة براقة وإلا ما انهار المعسكر الشرقي ولا اعتصرت الأزمات الاقتصادية نمور شرق آسيا‏1997,‏ ولا انهارت اقتصاديا أمريكا اللاتينية علي مشارف الألفية الثالثة‏,‏ ولا استحكمت حلقات الأزمة علي الاقتصاد الأمريكي والياباني والأوروبي حاليا‏,‏ ولا فقدت العلاقات الدولية توازنها واتزانها خلال العامين الماضيين‏.‏


ولكن ما أهدف إليه هو تبيان أن حجم التحديات وإلحاحها ليس مبررا للهروب من هذه الضرورة القومية الحيوية‏,‏ بل علي العكس‏,‏ كما اكتشفت كل الدول المتقدمة والنامية هو تأكيد ضرورة المبادرة العاجلة نحو تحقيق هذا الاستيعاب‏.‏

 

وأم الدنيا بحجم تحدياتها ووزن احتياجاتها واتساع آمالها واستحقاقاتها‏,‏ وبحكم ضخامة أمكانياتها المعطلة واحتمالاتها المهملة أجدر الدول بأن تكون في طليعة الساعين لعلاج هذا الخلل‏.‏


لقد شغلني وزملائي في الجمعية التعامل المنهجي منذ اختارني ممثلو الدول النامية للدفاع عن مصالحهم في السبعينيات‏,‏ ومنذ أن كلفتنا الدولة في‏1980‏ بوضع سياسة قومية للتنمية العلمية التكنولوجية لمصر في إطار أكاديمية البحث العلمي واعتمدتها حكومتان متتاليتان‏.‏


واقتضت التطورات العالمية والداخلية إعادة صياغتها في‏1996‏ ثم تقتضي التحولات الدولية والإقليمية والداخلية إعادة توجيهها وترتيب أوليات في‏2002‏ بالمشاركة مع الوزارات المختصة واتحاد الصناعات والتجارة‏.‏

 

ولم تكن الصعوبات التي جابهت هذا الجهد هي الإحاطة بالعوامل المتداخلة والمتضاربة المؤثرة في هذه التحولات العالمية والإقليمية والداخلية بإطار متكامل من الفهم والإدراك‏,‏ ولكن كانت الصعوبة الأساسية أن هذا الفهم والإدراك ـ وهو أولي خطوات الاستيعاب ـ ليس مجديا أن يكون نتاج أفكار بعض المنتفعين أو المجتهدين بجهدهم الفكري العاجل‏,‏ ولكنه بالضرورة لابد أن تتحقق له الصفة القومية بمشاركة متكافئة بين كل قطاعات الدولة والأمة علي اختلاف مواقعها وتوجهاتها ومصالحها‏.‏


وهذا ما صرفنا فيه كل هذه السنين وكل هذا الجهد‏,‏ ومازال أمامنا الكثير‏,‏ وفي هذه المساحة التي تتكرم الأهرام بإتاحتها‏,‏ سأحاول قدر استطاعتي تحقيق جزء من هذا الكثير‏,‏ برغم اقتناعي بتزايد ضخامة الصعوبات والتعقيدات‏.‏


ولعل بعض المسئولين والقادة يذكرون أن الخطة التنفيذية التي وضعناها لتخطي الفجوة في‏1983‏ توقعت فيها أن يستغرق الجهد المكثف‏25‏ سنة لتحقيق أهدافنا‏..‏ إنني حذرت في حضور أعضاء مجلس الوزراء في هذا الوقت أن أي تأخير سيضاعف من الزمن‏.‏


ولكني في الحقيقة لم أكن واعيا لإيقاع اتساع الفجوة الذي تحقق فعلا ليس فقط بين الدول النامية والدول المتقدمة‏,‏ ولكن بين الدول المتقدمة وبعضها بعضا‏,‏ بل بين الفئات الداخلية في أقوي هذه الدول ولا ابعاد الثورة العلمية والتكنولوجية القائمة‏.‏

 

وأملي في أن أنجح في الطرح المنهجي لمدخلات الطريق نحو الاستيعاب الذي أراه الخيار الوحيد أمام أم الدنيا علي مشارف ألفيتها التاسعة‏,‏ وأدعو القادرين إلي المشاركة وسيزيد الإلحاح لتحقيق هذا الهدف علي مدي المستقبل المنظور‏,‏ لأن الدول المتقدمة والنامية تستطيع بصعوبة الموازنة بين متطلبات إطفاء الحرائق والأزمات الطارئة وبين متطلبات الحلول الأطول امتدادا ودواما‏,‏ وليس ذلك علي الصعيد الاقتصادي فقط‏,‏ ولكن أيضا علي المستوي السياسي والأمني والاجتماعي‏.‏


والصعوبات التي يفرضها عدم التوازن لن تطيل عمر الأزمة العالمية والمحلية فقط‏,‏ ولكنها ستزيد من تناقص مصالح الفئات والدول‏,‏ وتقلص من فرص التوافق الدولي وتقلص فاعليات آليات الاقتصاد العلمي والسياسي والاقتصاديات الوطنية علي التعامل مع هذا التناقض وتزيد من أعباء القائمين علي إدارتها‏.‏

 

رجوع الى مقالات