|
إدارة التنمية وإدارة التغيير والحلول التراكمية
الأهرام 24 نوفمبر 2002
خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن والعشرين كان المعيار الأساسى للتنمية هو المعيار الكمى أى كم من قناطير القطن ينتجها الاقتصاد المصرى أو عدد أمتار النسيج أو طول الخطوط للسكك الحديدية أو خطوط التليفون أو أسرة المستشفيات ومن ثم وضحت آليات إدارة التنمية وحتى النصف الثانى من القرن العشرين ومع قدرة الانطلاقة التكنولوجية والعولمة فقدت المعايير الكمية مدلولاتها حيث تفاوت مردود قنطار القطن أومتر النسيج أو متر السكة الحديدية أو خطوط الاتصال أو سرير المستشفى تفاوتاً بمضاعفات كمية ونوعية لا حدود لها مما جعل إدارة التغيير هى المعيار الحاكم للتنمية .
وإذا كانت إدارة التنمية بالمعايير الكمية ثبت أنها ليست بالعملية اليسيرة لتعدد المدخلات الداخلية والخارجية فإن إدارة التغيير مع التنمية عملية مركبة تحتاج لمعارف ومهارات عالية وآليات حساسة ومؤثرة وإدارة قطاعية وقومية على أعلى درجات الكفاءة كما تبين من التضخم المبالغ فيه الذى أعقبه انهيار فى صناعة المعلومات الأمريكية وصناعة السيارات الإيطالية فى المرحلة الحالية .
ومع ذلك بينت فى مقالى السابق تحتم الارتكاز على رؤية قومية مشتركة لتوجهات وأولويات وآليه التنمية تحتمها تنافس الاحتياجات وشح الموارد والحاح الطوارئ وضغوط الاقتصاد العالمى ومتغيراته ومن ثم تقوم ضرورة قومية ملحة لإرساء أسس إدارة التغيير على مدى زمنى ممتد وأمن قومى شامل ومتصل .
وبينت أن كل الدول المعاصرة تجاحه هذه التحديات بدرجات مختلفة من النجاح ولكن بقدر متزايد من الاصرار لن يتيح للمتخلفين فرصة للمواكبة .
وبينت أن هذه الرؤيا القومية لا تتحقق لها فرص الجدوى ولا إمكانية التفعيل ما لم تكن نتاجاً لمشاركة متكافئة بين كل القوى الاقتصادية والاجتماعية صاحبة المصلحة والمتحملة للاعباء ومن المهم أن نعى أن إدارة التغيير هى علم وخبرة قائمة بذاتها تحتاج لتأهيل وتدريب ولا يفى بها هواية عبقرية المتفوقين فى مجالات التخصص الدقيق .
ولكن الحقيقة أن هناك أسباباً خاصة بمصر تجعل هذا المطلب أكثر الحاحا وضرورة أولها : ان كثيراً من ضرورات التنمية فى مصر هى حماية تراكمية لعديد من الاسباب والظروف على مدى زمنى طويل مما يستحيل معه تصور وجود حلول حالية ونهائية مثل ضرورات البطالة والإسكان وعدم كفاءة العلمية التعليمية والخدمة الصحية وشح موارد الاستثمار واعباء خدمة الديون المتزايدة وقصور القدرة الإدارية العامة والخاصة ولأن هذه العوائق تراكمية فليس هناك مهرب من أن تكون حلولها تراكمية بخطوات متصلة ومتكاملة على مدى زمنى محسوب ومثل هذا التواصل والتكامل لا يمكن تحقيقه إلا فى اطار رؤيا قومية واضحة لا تكون مجرد مؤشر لتحديد خطوة ولكن مرجعاً لها وما يتبعها فى خطوات.
وثانيها: هو العجز العلمى والتكنولوجى وانى لا اتحدث عن التخلف بل التخلف يفرزه افتقار المجتمع أو الفرد أو القدرات والمؤسسات والموارد البشرية القالبلة للتأهيل وهذا بالقطع ليس الحال فى مصر التى تملك بشرية وأعده تعانى من الإهدار والتبديد أما مشكلة مصر فعى تجمدها تجمدها عند توظيف العلم والتكنولوجيا كاأداة للتنوير كما كان الحال فى أوروبا فى عصر النهضة منذ أربعة قرون وعدم مسايرتها للتطور الحضارى بتطويع العلم والتكنولوجيا كأداة أصلية للتنمية الانتاجية والخدمية كما هو الحال الأن فى كل الدول الكبرى والنمور الصغرى هذا هو ما اسميه عجزاً فى استخدام مؤسسات وقدرات وملايين من العناصر البشرية الواعدة فى أداء وظيفتها التنموية الأساسية .
والجمعية القومية للتنمية التكنولوجية والاقتصادية بمئات من باحثيها ودارسيها قتلت هذا التحدى دراسة وبحثاً اولاً بطلب من الدولة فى 1980 تم تطوعاً واصراراً على مدى العقدين الماضيين رغم انصراف الحكومات وقطاع الأعمال الخاص والعام على التجاوب مع هذا الجهد الكبير ومن المهم أن نعترف أن تحول العطاء العلمى والتكنولوجية من أداة تنوير إلى أداة للتنمية سيحتاج لثورة مؤسسية ولائحية وتنظيمية ومنهجية وحوافز ضرائبية وجمراكية وائتمانية كبيرة لتنمية الطلب وحفز العرض التنافسى ولعل انشغال الحكومات وقطاعات الأعمال بإطفاء الحرائق الملحة هو سبب عزوفها عن مجابهة هذا التحدى حتى بعد أن أثبتت تجربة التحول الاقتصادى الثمن الباهظ ومضاعفة التكلفة نتيجة للتقاعس والتأجيل وحتى بعد أن سد النظام العالمى الجديد كل الطرق أمام العاجزين.
ثالثاً : الأوضاع الإقليمية وافتقارها للاستقرار الأمنى والاقتصادى والسياسي مما يبدد الموارد ويزيد من التكلفة وينفر الاستثمارات الخارجية والأسواق العالمية ويفزع الاستثمار المحلى .
وعلى عكس ما يقع فيه البعض من أخطاء يعكسها مقولة لا يعلو صوت فوق صوت المعركة فإن المنطق البدائى يؤكد خلل استقراء هذا الشعار لأن السلاح الأمضى والأكثر فاعلية فى المعركة هو سلاح التنمية الشاملة الإنتاجية والسياسية والاجتماعية فالإستقرار الصحيح هو أن ألا يعلو صوت فوق الصوت الحقيقى الأصيل للمعركة وهو صوت التنمية الشاملة مهاماً تضاعفت الأعباء وألحت الطوارئ لأن اغفال السلاح الوحيد المجدى والفعال هو ضمان خسارة المعركة مهما توهم البعض بأن الإجراءات الأمنية هى الأكثر إلحاحاً على حساب التفعيل الجدى للسلاح المؤثر والحاسم.
وعليه فلابد وأن ترتكز الزوايا التنموية القومية المصرية على ركائز أساسية :
- إدارة التنمية
- إدارة التغيير
- حلول متراكمة ومتصلة نحو أهداف محددة
- إدارة قومية ذات كفاءة ممتدة تحقق التواصل بين مسارات الحلول التراكمية وتتعامل مع التفاعلات والتناقصات البينية بين مختلف المسارات ومتغيراتها بصرف النظر عن تغيير المسئولين
رجوع الى مقالات |