Banner
   

 تنمية أم الدنيا علي مشارف ألفيتها التاسعة‏(3)

إدارة التنمية

قد يبدو لأول وهلة أن إدارة التنمية علي عكس إدارة التغيير أقل تعقيدا وأيسر تخطيطا ولكن الحقيقة أن الفرق بينهما هو في عمق التحولات الهيكلية والوظيفية التي تقتضيها إدارة التغيير‏.‏ وتعقيدات إدارة التنمية لا يفرزها فقط ضخامة التحديات وعدم كفاءة القدرات الإدارية‏,‏ ولكن يعقدها علي الخصوص تعدد أعبائها وتشابك هذه الأعباء بما يستحيل معه ألا ينعكس حلول أي منها علي سائر الأعباء المعاصرة والمستقبلية‏.‏


فهناك الأعباء العاجلة مثل نقص السيولة وركود السوق والتهديدات الطارئة علي سعر صرف العملات أو صناعة الدواء والسياحة‏..‏الخ‏.‏

 

ومتطلبات هذه الأعباء ملحة مهما تكن أعباؤها علي الاقتصاد القومي والخاص‏,‏ ولا يمكن تفادي انعكاساتها علي الصناعات والخدمات المكملة وعلي المستهلك والمستثمر والبعد الخافي والمغفل في أكثر الأحيان هو انعكاساتها علي أعباء التنمية المتوسطة والطويلة المدي وتناقضها مع متطلباتها‏,‏ وهي مخاطر يضاعفها عدم تبلور والتزام برؤية تنموية قومية شاملة وممتدة يلتزم المجتمع تماما بمؤشراتها وارشاداتها حتي في أصعب المواقف‏.‏


فمثلا قد يكون الدعم والإعفاء أسرع وأسهل الحلول‏,‏ ولكن هناك إغفال لإحدي ركائز الاقتصاد الحر‏,‏ وهي أن الدعم والإعفاء لابد أن يخضع لحساب دقيق لقواعد الجدوي علي المدي العاجل والآجل للمشروع والاقتصاد القومي مثله مثل الاستثمار‏.‏

 

ثم هناك الأعباء المزمنة متوسطة المدي مثل شح الاستثمار وانخفاض الإنتاجية وركود الأسواق وانخفاض القدرة الشرائية وتعطل الطاقة الإنتاجية وعدم كفاية أدوات التسويق والافتقار إلي الكفاءة الإدارية والفساد وتراخي فرض المنظومة الاقتصادية‏.‏


وكلها أعباء لا تفيد الحلول الوقتية والجزئية إلا في تخفيف مؤقت لأعراضها‏,‏ وقد يؤدي ذلك إلي إرجاء الإصلاحات الفعالة وتعقيد المشكلات‏,‏ وبرغم أن الظروف والإمكانيات لا تسمح بالمجابهة الكلية الحاسمة‏,‏ فإن هناك ضرورة ملزمة أن تقويم جدوي الحلول المؤقتة والجزئية في إطار رؤية قومية ممتدة لضمان أن تمهد الحلول المؤقتة تراكمات من الحلول المتكاملة تؤدي في مجموعها إلي الحلول الفعالة المجدية‏.‏

 

وهذا يقتضي تغييرات جذرية في إدارة التنمية أداء وهيكلة وكفاءة لم يعد هناك مهرب من إعطائه أولوية قصوي تبتدئ بتنمية قدرات ومعارف ومهارات هي الآن غائبة تماما عن أسلوب إدارة التنمية‏.‏


ثم هناك الأعباء الهيكلية والوظيفية طويلة المدي مثل عدم كفاية التراكمات الاستثمارية وانعدام الكفاءة في توجيهها عامة وخاصة والمنحي العشوائي في السياسة العامة وعدم ملاءمة أعداد الثروة البشرية وانعدام الانتظار والاقتناع والالتزام بالنظم والقوانين وغياب معايير متحضرة لتقويم الجدارة والاستحقاق وعشوائية قواعد إن وجدت الثواب والعقاب‏,‏ وتدني مستوي التنمية والمعيشة وتفشي البطالة الصريحة والمقنعة وتدني استغلال الطاقة الإنتاجية المتاحة وبدائية آليات التسويق وعدم فاعلية وعشوائية معالجة مشاكل الجودة ورفع الكفاءة التنافسية‏,‏ وانعدام المنطق في نظم الإعفاء والدعم وفوضي آليات الائتمان والتمويل‏..‏الخ‏.‏

 

وكلها أعباء تستدعي تصورا هيكليا ووظيفيا عميق الجذور بعد أن استهلكت كل آليات الترقيع والتجميل‏,‏ ولم يعد هناك مهرب من الارتقاء إلي مستوي وضوح رؤية قومية شاملة ومتكاملة وممتدة لبداية العلاجات التراكمية طويلة المدي التي تشعل الأنوار في نهاية النفق الطويل المظلم‏,‏ وهناك خطأ شائع إلي ارجاع هذه الأعباء إلي خلل في السلوكيات ولا شك أن أخطاء السلوكيات لها عواقب وخيمة كما بينت تجربة الفساد في إدارة أكبر الشركات الأمريكية‏,‏ ولكن الآليات المبينة داخل النظام نفسه للمحاسبة والتصويب من الناحية القانونية والبرلمانية أمكنها التعرض لهذه المسئولية إلي حد تصفية بعض الشركات‏.‏


ولكن الحقيقة الأساسية أن السلوكيات لا تشكل النظم ولكن النظم هي التي تشكل السلوكيات‏,‏ وملايين الأمثلة الصارخة من كفاءة العمالة المصرية في أرقي الدول والنظم العالمية‏,‏ والنظم هي التي تضبط الخلل في السلوكيات وتصويبها‏,‏ ولكن السلوكيات لا تضبط النظم وتصويبها بدليل فشل المنظمات المالية العالمية في معالجة خلل السلوكيات في الدول المقترضة‏.‏ وكل المصريين يعلمون علي مدي العقود والأجيال أن النظم لا يصلحها قرار قيادي أو برنامج حزبي أو خطة حكومية لأن كل النظم توجد منتفعين يتربحون ويزدهرون من خلالها‏.‏

 

ولكن الذي يغير النظام هو ادارة قومية جماهيرية مرتكزة إلي رؤية مدروسة وواضحة تتبناها وترعاها وتحرسها هذه الإرادة القومية الجماهيرية‏.‏ وهي لا شك مهمة عثيرة ومجهدة ولكن اقتناعنا أن الرأي العام في مصر نضج وعيه بضرورتها وعزم علي تحمل أعبائها ومسئوليتها‏,‏ وبقي أن تتاح له الفرص لبداية الطريق نحو التقدم والمعاصرة والندية‏.‏


ويجب ألا ننسي أننا لا نبدأ من الصفر‏,‏ بل من رصيد ثري من المحاولات والاجتهادات المتناثرة والمنفردة لا حصر لها والمحاولات والتجارب المصرية لها تاريخ طويل والأفكار والتصورات لا حصر لعددها‏.‏ وبقي أن نرشدها ونسبغ عليها ما ينقصها من جدية ومصداقية وكفاءة ثم نصيغها في رؤية قومية متراكمة ومتكاملة نحو أهداف واضحة محددة ومؤشرات ومعايير ملزمة ومتابعة وانتظام بكل حزم علي الحاكمين والمحكومين ملتزمين بمؤشراتها ومعابرها‏..‏ وكل هذا لا يمكن أن يتم إلا بالمشاركة المتكافئة والعادلة بين كل المستويات والفئات علي قاعدة من الشفافية والجدية والمكاشفة والصدق‏,‏ وبمعايير صادقة من تقويم الجدارة والثواب والعقاب وإحكام الانتظام‏..

 

 

رجوع الى مقالات