Banner
   

 تنمية أم الدنيا على مشارف ألفيتها التاسعة(4)

مشاوير التنمية
الاهرام 19 ديسمبر 2002

تحدثنا فى مقالنا السابق عن ادارة التنمية وأعبائها بابعادها الثلاثة الطارئة والمزمنة والطويلة المدى وأسلوب التعامل مع كل منها .


ومن المنطقى أن اولى خطوات التعامل مع اى من هذه التبعات أن نتبين اطوال المشوار المؤدى إلى علاجها وحجم التبعات المتولدة عنه .


ومن الطبيعى أن اول ما يشغل الدولة وما يشغل الرأى العام هو علاج الازمات الطارئة الحادة ولكى نقترب من تصور إلى اطوال مشوارها نسترجع سوياً بعض مؤشراتها فحسب مجلس معلومات مجلس الوزراء أنه خلال تسعة اشهر هناك 1198 حالة افلاس نهائى و4993 حالة افلاس ابتدائى ويقدر العاملون فى مجال الصناعة ان هناك حوالى 3000 مصنع متوقعة عن العمل إضافة للطاقات وللخطوط المعطلة فى المصانع الأخرى وتقدر دراسة اشارت إليها صحيفة حزبية ان حجم المخزون الراكد فى مخازن الدولة 100 مليار جنيه وأكد تقرير وزارة التجارة الخارجية انخفاض الايرادات الجارية ( دون التحويلات ) بحوالى 12% الاستثمارات بقيمة 49% وعائدات البترول 28% والسياحة 21%ويؤكد رئيس الشركة القابضة للنسيج أن كل الجهود لخفض الراكد يبقى معها قيمة الراكد 800 مليون جنيه وان اهم دعائم المشكلة هو الكساد والركود المسيطر على السوق مما تصاعدت معه مديونيات الشركات التابعة إلى 8 مليارات جنيه ولا يختلف الوضع فى الصناعات الهندسية كما يتفق الرؤساء على أن من أهم وسائل العلاج هو ضبط حجم الانتاج فى حدود حجم الطلب اى تعطيل قدر من الطاقة الانتاجية ويقدر المحاسب / فؤاد بدر رئيس بنك التعمير والاسكان أن التمويل اللازم لعلاج الركود فى القطاع العقارى الذى يمثل وزناً هاماً من الاستثمارات المجمدة هو حوالى 25 مليار جنيه وهو مبلغ بالقطع لاتتحمله قدرة المحتاجين للأسكان .


ويصرح الدكتور / عثمان محمد عثمان وزير التخطيط بأن معدلات الادخار فى مصر انخفضت إلى 13% فى حين ان الاحتياجات التنموية كما تبين التجارب العالمية للدول الصاعدة على التصنيع تدور نحو 30% ومع ذلك يشير الاستاذ محمد فتحى بما الى ان احصائيات تقرير المسح الاقتصادى للامم المتحدة يشير إلى تدهور معدل الادخار فى مصر من 2 .15% فى 1980 إلى 6% فقط فى 1995 فى حين أن معدلات الادخار فى الدول النامية كانت 2 .27% فى 1995 علماً بأن الدخل الوطنى يجب أن يكون المصدر الرئيسى لتمويل التنمية .


ويؤكد التقرير الذى أعده مركز الدراسات والادارة العامة بكلية الاقتصاد ان 23% من السكان يعيشون تحت المركز105 من بين 126 فى معدلات التنمية البشرية حسب البرنامج الانمائى للامم المتحدة 2001 وحذرت الدكتورة / فايقة الرفاعى وكيل محافظ البنك المركزى سابقاً عند مناقشة التقرير من اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء وحذرت من الآثار الاجتماعية الناتجة عن ذلك .


ومن السهل ان ندعى ان الدعم والحماية للاستثمار هى مجرد حلول مبدئية مالم تؤد إلى مضاعفة للقيمة المضافة وزيادة القدرة التنافسية ولكن سرعان ما تبرز ضرورة هذه الآليات فى مرحلة المجالات الاقتصادية الوليدة وغائلة منافسة العمالقة الدوليين الطاغية ومن هذا التناقض يظهر عدم جدوى الحلول الشاملة والعامة وتبرز أهمية التفعيل الانتقائى المحسوب على أسس موضوعية للجدوى والتقويم الدورى وإعادة توجيه المسار .


ومرة أخرى تبرز أهمية الحقائق الاقتصادية الاولية التى كثيراً ما تخفيها التفاصيل والتعقيدات فرفع مستوى الدخل للمستهلك هو القادر على مضاعفة قدرته الشرائية والمعالجة الحاسمة للركود الذى يفرز تعطيل المصانع وينمى المنتجات الراكدة .


ولكن رفع الدخول يقتضى مضاعفة القيمة المضافة والذى يقتضى ليس فقط مضاعفة الاستثمار ولكن كفاءة توجيهه واداراته والموازنة بين التوجهين ليس اجراء جامداً غير متحرك بل هو موازنة ديناميكية تزداد فاعليتها كلما ازدادت حساسيتها للمتغيرات ولكنها حيوية لانها تقترب من الحلول الموضوعية المتكاملة والتى يمكن ادارتها على أسس تراكمية متناسقة والبطالة هى جزء من بلاء انخفاض مستوى المعيشة اضافة لمخاطرها الاجتماعية وهى أيضاً جزء من نقص الموارد الاستثماية وكفاءة ادارتها كما انها عامل من عوامل تقلص الادخار وبالتالى تقلص التكوينات الرأسمالية ومن ثم الموازنة بين متطلبات علاج كل منها وتكاملها مع ضرورات ادارة التنمية الرشيدة ولا يمكن ارجاء احداها لحساب الاخرى مهما علا الصراخ والضجيج .


وفى كل هذا الضرورات المتنافسة تبقى الحقائق الاقتصادية الاولية حاضرة وراسخة لا يمكن اغفالها ففى ظل تضاعف المتطلبات وعجز الموارد تبقى الاولوية لكفاءة الاستخدام والاستغلال أولوية حاكمة وفاضلة والكفاءة لها أسسها المعلوماتية والتعليمية والادارية والعلمية والتكنولوجية ولا يكفى اطلاقاً وجود المفردات متناثرة ونبعثرها فبالتأكيد لها المردود المطلوب ولكن لابد أن تنتظم فى شبكة منظومة متكاملة وهذا يقتضى خبرات ومعرفة خاصة وعالية ودرجة من الانتظام غائبة عن ادارة المنظومة التنموية فى اغلب الدول النامية ويمكن الاسترشاد بالخبرة العالمية ولكن يمكن الاستعاضة بها عن الانتماء الوطنى خاصة عندما تتوافر الثروة البشرية الكاملة بل المتعطشة للترقى .


وادارة التنمية بهذا التعقيد والتشابك مستحيل تحمل اعبائها إلا بمشاركة وتكاتف قومى (وبصيانة) من الفساد والتسيب وبرسوخ معايير قاسية للجدارة للحماية فى الاختيار للقيادات والتأهيل لان التراكم والتوافق ليس مطلوباً بين الضروريات المرحلية فقط بل هو مطلوب بينها وبين ضرورات ومطالب المراحل التالية وبالاستجابة لكل المتغيرات المتوقعة والطارئة وكل هذا يبين ان التنمية وإن اقتضت اطلاق حرية الاختبار والابداع والابتكار إلا ان كل لحن وحركة فيها لابد فيها ان تنتظم فى معزوفة متكاملة ومتصلة هى سيمفونية التنمية التى تتعدد فيها الحركات ولكن تتكامل المدخلات فى وحدة واتصال .


ثم ان هذه المنظومة لا تعزف فى فراغ الفضاء ولكنها تتعايش مع عالم معقد ومتضارب ومتنافس ومتناقص ومنطلق.


ومن ثم لابد ان تتفاعل وتتكامل وتتنافس مع هذا العالم وتجارى حركته وتستجيب لتحدياته وتستغل كل فرصه وامكاناته .


وكيفما اختلفت الآراء فى العولمة فما لاشك فيه ان الاقتصاد العالمى اصبح عاملا حاكما على الاقتصاديات الوطنية خاصة النامية والمتدينة بعد أن أشهر سلاح التنافسية كمحدد لمكانة واحتمالات كل منها على مدى الخمس إلى المانى سنوات القادمة .


وتتعدد مدخلات التنافسية الاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية والسياسية التنموية والادارية فقد قام المنبر الاقتصادى العالمى (دافوس) بوضع معايير تنافسية لثمانين دولة صناعية أو صاعدة بينها مصر وهو يعطى تقديراً جمالياً لمركز كل دولة فيما يتعلق بعناصر التنافسية المؤثرة فنجد انه يضع مصر فى المكانة 51 فى مجال التنافسية النمو ويضعها فى المرتبة 69 فى مجال المحافظة على البيئة وفى المرتبة 60 فى مجال شبكات الاستعداد والتى تشمل التعليم والسياسات والاتصالات والمعلومات والافت للنظر أنه يعطى مصر المرتبة 69 فى مجال استخدام شبكة المكونات للاستعداد فى حين يضعها فى المرتية 48 فى محل البنية التحتية للمعلومات بما يوضح ان الخلل لو فى الاستخدام اكثر من عدم كفاية المفردات ولعل ابشع تقديراته هو وضع مصر فى المرتية 74 فى مجال رأس المال الاجتماعى والمرتية 64 فى مجال معامل التكنولوجى رعم انه يضع المكانة التنافسية الحالية فى المرتبة 45 من بين ثمانية دولة .


ولفهم مدلول هذه المراتب فرغم ان الولايات المتحدة هى الاولى فى مجال القدرة التنافسية على النمو اعتماداً على تفوقها التكنولوجى والبحث العلمى والالتحام بين الاكاديمية والاستثمار فإن تايوان تأتى فى المرتبة الثالثة وسنغافورة الرابعة وهونج كونج17 وإسرائيل 19 وكوريا 21 وتايلاند 31 وجنوب افريقيا 32 اى ان الدول الصاعدة ببناء قدرتها التنافسية قادرة على عبور الفجوة .


والادعى للإهتمام ان ترتيب مكانة مصر متدن فى الآداء أكثر منه فى مجال الامكانات مما يؤكد ان رفع الكفاءة الوظيفية يمكن ان يحقق مردوداً مؤثر من خلال تحسين الاستخدام وهذا مهم جداً مع الأعباء الضخمة لخلل الميزان التجارى الذى يبلغ 7.9 مليار دولار متراكم سنوياً.


والخلل فى تكلفة خدمة الديون التى تستهدف 8.4% من عائد البضائع والخدمات مع توقع انكماش معدلات النمو مع الانكماش لعالمى وكذلك تقلص الاستثمارات الاجنبية والتى تعانى منها الدول الصناعية الكبرى نفسها .


وكل هذا يعطينا مؤشراً مهما عن التوجيهات المستقبلية لادارة التنمية والمعايير الواجب استخدامها فى المفاضلة بين الاختيارات الضاربة الصعبة وحيوية التحديد الموضوعى للأولويات .


ومرة أخرى تظهر خطورة العجز العلمى والتكنولوجى الذى يمثل اهم ركائز التنافسية العالمية خاصة للدول ذات الموارد المحدودة والتى تعانى من انفجار سكانى وانخفاض مستوى المعيشة ومعاناة اكثر من ثلث السكان البالغين من الامية فى عصر الانفجار العلمى والتكنولوجى وهى كلها عوامل تضاءف من عجز رأس المال الاجتماعى الذى تحتل مصر فيه مرتبة دنيا مع ما يقتضيه ذلك من التركيز على معالجة أسبابه التخطيطية والادارية والاقتصادية والسياسية وتبرز هنا أهمية شبكة الاستعداد التى تربط كل المدخلات وتكاملها مع بعضها بعضاً وتوازن استخدامات مكوناتها كضرورة لتحقيق المردود من المكونات المعطلة برفع كفاءة استخدام الامكانات .


وهو مرة أخرى ما تحتمه الحلول التراكمية والمتكاملة للتجاوب مع الضرورات المتنافسة على المدى المتوسط والطويل والتى منها تتبلور رؤية قومية لادراة التنمية من خلال حلول تراكمية متكاملة .

 

 

رجوع الى مقالات