Banner
   

 تنمية أم الدنيا علي مشارف ألفيتها التاسعة(5)

إدارة التغــــــــيير
جريده الاهرام السبت 4 يناير 2003 العدد 126

يدور حوار مزمن متكرر عن ضرورة التغيير وتشترك فيه كل المستويات المسئولة والشعبية‏,‏ رغم اختلاف المفاهيم والتوجهات‏,‏ ورغم اتفاق الجميع علي أن نوعا ما ودرجة ما من التغيير أصبحت مطلبا عاما‏.‏


والحقيقة أن ايقاع التطور قوميا وعالميا أحدث ويحدث تغيرات جذرية بعيدة الغور منذ‏1967‏ وازداد ايقاعها بعد اتفاقية كامب ديفيد وتأسيس منظمة التجارة العالمية ثم احداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ والأزمة الاقتصادية والأمنية والسياسية العالمية والانفجار التكنولوجي‏,‏ خاصة في مجال الاتصالات والمعلومات‏.‏

 

فالتغيير إذن ليس مجرد اختيار أو مطلب بل هو حقيقة واقعة وجارية ومتسارعة علي كل نواحي الحياة المصرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية‏,‏ بحيث تعيد تشكيلها هيكليا ووظيفيا وليس دائما في اتجاه ايجابي‏.‏


فالسؤال الصحيح إذن ليس هو قبول التغيير ولكن السؤال الحقيقي هو ما هو قدر احساسنا بخطورة المتغيرات الجارية والحاح الضرورة لإدارة استيعاب وتوجيه هذا المتغير تفاديا لأكبر قدر من سلبياته وتعظيما لكل فرص ايجابياته؟‏.‏

 

وقد يبدو أن هذه المقولة من البديهات الصارخة‏,‏ ولكن عيب البديهيات انها خلال التعامل مع التفاصيل والتشابكات والتناقضات كثيرا ما تضيع البديهيات مما ينحرف بالجهد كله عن حقيقية اغراضه ومراميه وما في ذلك من خطورة بالغة بانفلات مسار التغير وتضاعف سلبياته وإهدار فرصه‏.‏


ولعل غياب مفهوم واضح عن كنه التغيير المنشود ومبرراته واهدافه هو الذي اشاع هذا القدر من البلبلة‏,‏ وعاد بالكثيرين إلي المفهوم التقليدي القبلي الموروث عن التغيير وهو تغيير الأفراد أو العلاقات في الحدود المتاحة وهو مفهوم تتبناه بالطبع كل الفئات المنتفعة بعدم التغيير علما بأن الأمل والتطلع للتغيير كيفما كان مفهومه هو كل ما بقي من دواعي الثقة والتفاؤل للجماهير ومن الخطورة البالغة سلب دواعي الثقة والتفاؤل من الجماهير في مرحلة تتكالب عليها دواعي التوجس واليأس خاصة وأن العارفين يعلمون ان دواعي هذا اليأس والقنوط ليس لها حلول سريعة ولا ميسرة ومن ثم فهي ترتكز علي ثقة وتطلع المعانين إلي أقصي حد ممكن وعلي أطول امتداد‏.‏

 

ومن ثم يصبح التوافق عند تحديد قومي مشترك لكن التغيير المطلوب ضرورة ليست تنموية قط بل سياسية وقومية أيضا‏.‏


والأمر ليس معقدا أو صعب المنال فكل ما علينا هو التعامل الموضوعي والكسب من الخبرة العالمية المعاصرة في التعامل مع هذا التحديد ودون تشتيت انتباه القارئ بالدخول إلي الأسس النظرية والعلمية هذا التوجه نركز علي اعطاء تعريف مختصر ومركز عن كنة التغيير المنشود في الأوضاع الحالية وفي عالمنا المعاصر‏.‏

 

فالتغيير المنشود كنهه استيعاب التعديلات والمتغيرات التي طرأت علي المجتمع واعادة صياغة هياكله وتلك المتوقعة والمترقبة في المستقبل القريب‏,‏ واللازمة لتوقي أكبر قدر من سلبياتها وتعظيم أكبر قدر من ايجابياتها ورفع الكفاءة إلي أقصي حد للتعامل مع ايقاعها المستمر والمتصاعد‏.‏


ومن هنا نري أن المفهوم القبلي السائد في العالم العربي عن احتجاز مفهوم التغيير في اطار ضيق لا يتعدي مستوي معين من الأفراد والعلاقات وهو ما تزداد صعوبة ممارسته علي أي حال حتي في هذا الحيز الضيق لانه استنفد احتمالاته وجدواه لا تمتد إلي احتياجات التغيير الجاري والحتمي بصفة ملحة فهنا المطلوب هو التعامل مع ملاءمة نظام وهياكل وظائف منظومية قادرة علي استيعاب تحديات جسيمة قائمة ومتوقعة تمس كيان المجتمع في اعماقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والثقافية وللتغيير إذن وظيفة أساسية محددة هو تأمين كيان المجتمع الجديد إلزاما وليس اختيارا بابعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والثقافية‏.‏

 

ومن هنا يمكن تحديد بعد خصائصه أولها الشمول وثانيتها العمق وثالثتها التكامل ورابعتها التراكم وخامستها الامتداد المساحي والزمني وسادستها الفاعلية والجدية‏,‏ ولايصح اطلاقا انعكاسا للظروف الصعبة التي نمر بها ويمر بها العالم أن نتخوف من حساسية المهمة فقد مارستها دول كثيرة قبلنا بدرجات متفاوته من النجاح وعلي رأسها مجموعة نمور شرق آسيا ووسط وشرق أوروبا وتقتحم هذا المجال الآن الصين بخمس سكان العالم وتراث عميق من الجمود والمركزية وتحقق نجاحات باهرة ولا نغفل ان نعترف أن مسار التصدي لهذه التحديات لم يكن دائما سهلا وممهدا بل تعتريه العقبات والمصاعب ولكنها دائما لم تعطل استكمال المسار وتجاهد أمريكا اللاتينية للحاق‏.‏


ولا أظن في مصر ـ حاكمين ومحكومين ـ من لا يدرك أنه إن آجلا أو عاجلا لابد من استيعاب المتغيرات بعيدة الغور التي هزت الكيان القومي الموروث والعالم المحيط به ولكن يبقي التخوف الذي يصاحب كل تغيير وهو التخوف من المجهول باعبائه غير المرئية والاطمئنان إلي الواقع المعلوم بمشاكله وازماته وعقمه‏.‏

 

وهو تخوف معذور ولكنه غير مفهوم لأن التغيير واقع وجار ومعلوم سرعة ايقاعه في المستقبل ولن تجدي محاولة اخفائه تحت ستارة من التجميلات والملطفات والخشية هي يجب أن تكون ليست من استيعابه وإدارته بارادة ووعي وادراك ولكن بتركه حتي يفرض انفجاره أو يستغل من غير الأصدقاء للانفلات من كل إمكانيات الاستيعاب والإدارة البناءة‏.‏


وفي مجال التعامل مع التغيير وإدارته لابد أن نتعرض لبعد حساس ولكنه خطير لشيوعه في الشرق الأوسط وهو عقيدة الوصاية الراسخة في جذور التعامل والكيانات في المنطقة سواء كانت قبلية أو وراثية أو رأسية أو عقائدية مما يمزق المجتمع الإيراني مرحليا والتي كلها كانت من أسباب شلل التغيير واشاعة الجمود الذي أصبح الصياغة المشهورة عن هذه المجتمعات داخليا وعالميا‏.‏

 

ومن حسن الطالع أن هناك مظاهر متناثرة في أنحاء الشرق الأوسط علي بداية الوعي لعدم جدوي أو حتي إمكانية استمرار هذه الخاصية الموروثة ولحسن الطالع الاوصياء والموصي عليهم يبدوا انهم يشتركون في هذا الوعي بدرجات نأمل أن تكون متصاعدة ومتكاملة‏.‏


ومن الواضح إن إدارة التغيير ستقضي تنمية وشيوع هذا الوعي وقبول مسئولياته وتبعاته حتي نضمن أن التغيير وإدارته هو إدارة للترشيد والتصويب وملاحقة متغيرات المكان والعصر وليس انقلابا أو انفلاتا من الانتظام‏.‏

 

ولست في حاجة إلي اعادة تعدد نواحي المتغيرات الجذرية التي اجتاحت المجتمع المصري وكذلك الإقليم والعالم الذي نعيش فيه‏,‏فوسائل الإعلام والمؤتمرات والندوات والأحزاب لها سنون تقلب الرأي وتردده بل يتعالي صراخها حول عمق هذه التغييرات ومخاطر تداعياتها ولن يزيد ترديدنا الأمور بيانا أو وضوحا ولا أن توزع الاتهامات علي مؤسسات وقوي داخلية وخارجية ولكن الأكثر الحاحا هو تقييم صادق لحجم هذه التغيرات الجارية تفاديا للمخاطر وانعكاساتها وطرح مخلص لاحتياجات التعديل والترشيد والاستكمال الذي تحتاج الآليات المتاحة لتحمل اعباء إدارة التغيير الواقع والجاري الجسام‏.‏


ويلزم للوصول إلي هذا الغرض التعامل مع المجالات الرئيسية للمتغيرات الجارية‏:‏
1‏ـ الاقتصادية‏2‏ ـ الاجتماعية‏3‏ ـ الأمنية‏4‏ ـ السياسية‏5‏ ــ الثقافية‏,‏ لأنها في تكاملها ستحقق اتساع وعمق التغيير المزمع إدارته

ومن خلال هذا التقدير لحجم التحدي ووزنه يمكن الاقتراب من تحديد الآليات والتوجهات المناسبة وصولا إلي جدولة الخطوات

 

التراكمية المؤدية إلي الأهداف المرسومة الاقتصادية‏:‏


تعرضنا في مقالاتنا السابقة لإدارة التنمية في مجالات الأزمات الملحة الطارئة وفي مجال الأزمات المزمنة المتوسطة وبينا انه في اطار الآليات المتاحة سنحتاج لدرجة فائقة من الكفاءة في التعامل مع التشابكات والتناقضات الكامنة فيها في اطار رؤية قومية شاملة ومتكاملة ولاشك أن توفير هذه الضرورات اضافة للزومها لخدمة هذه الأغراض تمثل مدخلا سليما للإدارة التغييرات اللازمة لعلاج الخلل الهيكلي والوظيفي الذي يفرز التحديات الأساسية طويلة المدي مثل عدم كفاية الموارد الاستثمارية وافتقارها إلي كفاءة التوجيه والإدارة وانخفاض الإنتاجية وضعف القيمة المضافة وانخفاض مستوي المعيشة مع ما يتبعه من ركود السوق وتعطيل الطاقة الإنتاجية والبطالة وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء مما يخل بالتوازن الاقتصادي والاجتماعي وفجوة الخدمات الكمية والنوعية المتضاعفة بالانفجار السكاني وتصاعد الاحتياجات المعاصرة والخلل النقدي ممثلا في العجز في الميزان التجاري والموازنة العامة وعدم ثبات سعر الصرف مع آثاره المدمرة علي كل القطاعات مضافا إليه خدمة الدين والاسراف المتزايد في القطاعات العامة والخاصة مع تدهور معدل الادخار‏..‏ إلخ‏.‏

 

وكلها اعراض أساسية لتراكمات متغيرات جذرية اجتاحت المجتمع والاقتصاد العالمي وعلاقتنا به علي مدي طويل وكلها اعراض متشابكة ومتعددة الأسباب والمؤثرات وكلها غير قابلة للحلول الآنية العشوائية والمتناثرة‏.‏ ومن ثم ففي النهاية سنعود طوعا او قسرا لإدارة منهجية لتغييرات جذرية هيكلية ووظيفية‏.‏

 

وفي هذا المجال يلعب العجز التكنولوجي دورا حاسما في تدعيم القدرة التنافسية ورفع معدل التنمية وعدم كفاءة استخدام الاستثمار وخلل في الميزان التجاري ولهذا سنفرد مقالا خاصا لهذا العنصر‏.‏

 

ويتميز البعد الاقتصادي بوضع خاص لا يمكن اغفاله في استقصائنا لأنسب سبل إدارة التغيير‏.‏


فقد تمتع هذا البعد باهتمام خاص وتحولات جذرية غيرت معالمه منذ منتصف السبعينيات‏.‏

 

وبصرف النظر عن الانفلات الذي عاني منه في أولي مراحله وهو ظاهرة غير فريدة في مصر بل تكررت في روسيا وأكثر دوله أوروبا الشرقية في بداية التحول فإن توجهات وتحولات جديدة ادخلت عليه بهدف استيعاب الملح من التحولات الداخلية والخارجية منها حفز وتسهيلات مسرفة لجذب رأس المال وفتح السوق المحلية لاستيراد السلع الأجنبية المنافسة والخصخصة التي تراوحت من الاستجابة لمبررات اقتصادية إلي الاستجابة لتأثيرات سياسية للسوق العالمية ومنها الدعم والحماية والتسهيلات للاستثمارات الجديدة بصرف النظر عن جداوها ولكن باهداف تعميرية والدخول في منظمة التجارة العالمية والشراكة الأوروبية والتي لها انعكاسات بعيدة الأثر علي كل القطاعات يتبين كثير من الدول سلبياتها في اطار الأزمة الاقتصادية العالمية وزيادة المديونية الداخلية وتخفيض سعر الصرف مما يحمل كافة القطاعات اعباء اضافية ضخمة وإن حمي من الانهيار النقدي اضافة إلي مشاريع قومية عالية التكلفة وآجلة المردود بقصد توسيع الرقعة المستغلة من الصحاري المصري مثل توشكي وسيناء وقناة السويس والصحراء الغربية‏.‏


ولابد أن يستوعب تخطيط إدارة التغيير كل هذه التحولات وتقييم أولوياتها يؤمن جدواها ويدمجها في رؤية قومية مدمجة ومتكاملة وممتدة ويضمن عنصر التراكم في مسارها بحيث تؤدي إلي نتائج نهائية موقوتة ومحسوبة‏.‏

 

ويمثل ذلك مدخلا حتميا ليس فقط لضمان جدوي إدارة التغيير ولكن ايضا لتحقيق ضرورة المتابعة واعادة التقييم والتصويب الذي هو أحد العناصر الأساسية في إدارة التغيير‏.

 

 

 

رجوع الى مقالات