|
برنامج عمل لانطلاقة علمية وتكنولوجية
جريدة الاهرام الخميس 20 فبراير 2003 العدد
تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن إدارة التنمية وإدارة التغيير وتوقفنا في مجال إدارة التغيير في مصر عند موقع العجز العلمي والتكنولوجي واعطينا المعايير الدولية التي تظهر مدي الفجوة الساحقة بيننا وبين الدول الرائدة الكبري والصغيرة واخترنا معايير اساسية باعتبار ان علاج الخلل فيها هو الذي يحدد الاختيار العلمي الموضوعي للحلول ورسم السياسات والتخطيط ارتكازا علي هذه المعايير.
أ ـ التمويل:
بينا أن واقع التمويل في مصر للتنمية العلمية والتكنولوجية متدن إلي حد يستحيل معه تخطي الفجوة بل يستحيل معه منع تضاعف حجم تخلف مصر التنافسي حيث يقدر بنك بيريل لنش للاستثمارات العالمية مكانة مصر بين35 دولة عينة في المرتبة32 وان الانفاق علي التنمية العلمية والتكنولوجية0.22% في حين أن كوريا تنفق2.83% من الناتج القومي الاجمالي اي حوالي14 ضعفا.
ومن الواضح اننا آخذين في الاعتبار سعة الفجوة بيننا وبين كوريا في المكانة العلمية والتكنولوجيا وكذلك في البنية الاساسية القائمة اللازمة لها فإن الحساب المنطقي يقتضي ان تنفق ضعف ماتنفقه كوريا وهو ماتحاول باكستان عمله بانفاق5.96% واذا اخذنا في الاعتبار واقع الاقتصاد المصري ومحدودية الموارد وتضاعف الاحتياجات فليس من المستطاع حاليا ان تتحمل ميزانية الدولة هذا الفرق العملاق, فلابد اذن من تغطية الفرق من غير ميزانية الدولة او علي الاقل الجزء الأكبر منه, ومن ثم تقوم ضرورة عاجلة لدراسة تفعيل ايجاد موادر جديدة كما تقوم ضرورة عاجلة لترشيد توجيه كل الموارد المتاحة علي أساس مدروس من الجدوي.
وفي مجال تفعيل ايجاد موارد جديدة فلاشك ان نصيب البحث العلمي والتنمية التكنولوجية في الانفاق العام في حاجة إلي مضاعفته اسوة بكل الدول المماثلة ويجب ان يستهدف الوصول إلي2.5% خلال خمس سنوات علي الاكثر.
وهذا بداية توجه لكي يوفر الموارد اللازمة لتمويل الانطاقة المطلولة كما هو الحال في كل دول العالم المتقدمة والصاعدة.
ومن ثم لابد من دراسة تحقيق وتصعيد اسهام القطاع العام والخاص في دعم الانفاق وقد لجات كل الدول إلي تفعيل آليات فعالة حققت نتائج مؤثرة اولاها احتساب جميع الانفاقات علي الابحاث والتنمية من ضمن تكاليف الانتاج, ثانيا اعفاء المستلزمات والاجهزة الخاصة بهذا النشاط من الجمارك والضرائب ثالثا تحمل المؤسسات العلمية للدولة اعباء القيام بالبحوث الاساسية اللازمة للتنمية. رابعا اعفاء المنتجات الناتجة عن الابتكار المحلي والتطوير من الضرائب والرسوم لمدة لاتقل عن10 سنوات. خامسا اعفاء الاستثمارات اللازمة للبحث والتطوير من جميع الضرائب والرسوم. سادسا صندوق او بنك قومي لتمويل النشاط ذي الجدوي في هذا المجال بفوائد رمزية وعلي مدي زمني طويل سابعا.. أعطاء منتجات هذا النشاط اولية في مشتريات الحكومة والقطاع العام. ثامنا دخول الدولة كشريك في الاستثمار في مجالات البحوث والتنمية التكنولوجية ذات الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية والعلمية, بل بلغ الامر ببعض الدول الصاعدة إلي اعطاء اعفاءات تساوي ضعف المصروفات في حالة نجاح الجهد في هذا المجال.. تاسعا تحمل الدولة اعباء التأهيل والتدريب والتأمين للعاملين في هذا المجال. عاشرا مشاركة الدولة في مساندة جهود دراسات الجدوي وجمع المعلومات والتسويق للعائد المتميز. حادي عشر عمل المعارض ومنح الجوائز والتكريم لذوي الاستحقاق الحقيقي العلمي والتكنولوجي وبعيدا عن التوجهات السياسية والمنصبية كما هو جار الآن بمعرفة هيئة علمية وصناعية وتجارية متخصصة. ثاني عشر انشاء اقسام او مراكز في كل الشركات والمصانع ذات الثقل او مجموعة شركات متوسطة الحجم وكل هذا ليس إلا مجرد أمثلة للآليات التي تم اختبارها دوليا وحققت نتائج باهرة في حفز القطاع العام والخاص لمضاعفة جهوده وانفاقه حتي يصل إلي ان يكون الممول الرئيسي لهذا النشاط. ويجب ان نستهدف ان يكون الانفاق من القطاع الانتاجي في حدود2.5% من الناتج المحلي والقطاع الخدمي1% خلال مدة لاتزيد علي10 سنوات.
ب. التأهيل المؤسسي:
ويلاحظ ان هذه السياسة لاتزيد من اعباء الاعفاءات والدعم ولكنها تضع حدا لتوجهاتها الشمولية والمسترسلة وترشيد توجهاتها ومواقعها علي اساس الالتزام بالجدوي الذي يحقق مضاعفته القيمة المضافة اي الدعم والاعفاء لتحقيق ضرورة قومية خاصة بما يسمح تركيزه باعطاء نتائج ايجابية وليس الدعم المطلق والاعفاء المفتوح لكل من هب ودب دون جدوي ومردود.
رغم اهمية التمويل والحفز فان تضاعف الموارد لايحل الاشكال بل هو بداية لتمكين مؤسسات مؤهلة ومهيكلة لاداء مهام معقدة ودائمة التقدم والتطور فالتكنولوجيا التي تمثل المنتج النهائي القابل للاسهام الدائم في التنمية مثله مثل كل السلع والاصول التنموية يخضع لقانون العرض والطلب, ومعا لم يتوافر التأهل لايجاد الطلب للتكنولوجيا أولا المحلية ثم العالمية فسيكون تضاعف الموارد محدودا او معدوم المردود وقد بينا كل الآليات التي تحفز علي ايجاد ومضاعفة الطلب, وكمال هذه الآليات سيحتاج إلي اعادة هيكلة وتنظيم القطاعات الإنتاجية والخدمية للتعامل والتجاوب مع هذه الآليات وسيقتضي ذلك تحديثات تشريعية وتنظيمية وتأهيلية لقيادات وادارات لهذه القطاعات والمؤسسة الخادمة لها والمدعمة لها وقد يقتضي الأمر بالنسبة للصناعات المتوسطة والصغيرة اعطاء أولية للحضانات التكنولوجية بدعم قطاعي وحكومي تحت ادارات مؤهلة وذات خبرة حقيقية وهو أمر في غاية الأهمية.
كما يقتضي الأمر ايجاد اجهزة للتقييم والمتابعة لتوجيه الدعم والاعفاء في مجالات ذات جدوي وحجبها اذا لم تتوافر الجدوي والكفاءة بشكل جدي.
وفيما يتعلق بالعرض فبرغم حجم المؤسسات التعليمية والبحثية المصرية فهي بالقطع غير مؤهلة لتقديم الحزم التكنولوجية القابلة للتنفيذ والمنافسة لان البحث العلمي فيها جار علي اساس انه مجرد آلية للتعليم ولاعلاقة له بأداء وظيفته التنموية لاتأهيلا ولاتمويلا ولاتقييما ولاتخطيطا ولا تنظيما ولا لائحيا.
ومن الصعب تصور أن يتم هذا التأهيل في خطوة واحدة لأنه سيمثل تحولا جذريا كما تم في تحول القطاع الاقتصادي الذي لم يستكمل تحوله منذ1975 حتي الآن.
آخذين في الاعتبار المتطلبات التعليمية العامة التي هي بالقطع مقصورة علي ملاحقة مطالب العصر ومنافسته علما بأن أرقي الدول تعاني هذه الصعوبات ومن ثم لا يمكن عرقلة نموها الكمي.
ومن ثم لا مندوحة عن البداية التراكمية وذلك بإيجاد معاهد مخصصة في كل المجالات الواعدة توزع بين الجامعات وتخصص للتأهيل الأعلي والبحث العلمي المعاصر التنموي وإدارة التنمية ونقل التكنولوجيا وتطويعها وتطويرها وهي مهارات وخبرات غائبة حاليا ولابد من تحقيقها في ظروف لا تزيد علي ثلاث سنوات.
وهذا يقتضي إدارة ولوائح ونظم عمل ومعايير تقييم مخالفة تماما لما هو معمول به ويقتضي مستوي تمويل حكومي وخاص أضعافا مضاعفة لما هو معمول به حاليا ويقتضي ربط التمويل بتحقيق أهداف ومردود محدد يكون هو الضمان لتحديد النصيب المبرر لكل معهد ولكل مشروع داخل المعهد ويقتضي التركيز والالتزام بأوليات ذات جدوي مدروسة دون إخلال بالجهود التعليمية الدارجة العامة.
وسيكون تجهيز اعداد هذه المعاهد مكلفا وبعض هذه التكلفة يمكن توافرها بتجميع الأجهزة والخبرات والمعدات غير المستغلة بالنسبة العالمية المتعارف عليها من الكليات والمعاهد وبعضها من التمويل العام والخاص والتبرعات والمساعدات المحلية والأجنبية والعالمية التي لابد من ربطها بعملية التغيير وبرامجها وسياساتها.
وسيلزم خضوع الباحثين في هذه المعاهد للمعايير الدولية تعيينا وترقية ونشرا وسيلزم توفير كل امكانيات التأهيل المستمر من زيارات للمعاهد والمؤتمرات الدولية وتوافر كل آليات الاتصال والمراجع والخدمة المناسبة لها كما سيلزم استضافة المختصين البازين من الخارج, خاصة المصريين المهاجرين, كما سيلزم التحاق كل منهم للعمل بأحد المعاهد المتقدمة العالمية لفترات محددة وبشكل دوري كما سيلزم اشراك قطاع الانتاج والخدمات في تخطيط وإدارة هذه المعاهد. ومعني هذا التفرغ والجهد لابد أن يتوفر الحافز الشخصي من أجور ومكافآت متكافئة مع المعايير الدولية وأن يكون الاحتفاظ بالمنصب لمدة زمنية محددة لا تزيد علي خمس سنوات تجدد حسب كفاءة الأداء وجدواه والنتائج المحققة فعلا أو العودة إلي التعليم الجامعي العام إذ لم يحقق ذلك.
ولتغطية بعض التكاليف ولمنع الازدواج لابد وأن تنظم هذه المعاهد في شبكة قومية تقوم بالتنسيق والتكامل وتفعيل التعاون بينها وبعضها البعض النقص وبين الجهات صاحبة الطلب والاحتياج الانتاجية والخدمية وإتاحة الفرصة لكل الجامعات في استخدامها لتغطية احتياجات المؤهلات العالية.
ثم لابد من وضع برنامج زمني يحول المزيد من الأقسام المختصة إلي معاهد والجامعات من هذا القبيل تدريجيا علي مدي عشر سنوات لإيجاد المنافسة وإتاحة الفرص لأعلي نسبة من المؤهلين وهو الأسلوب الوحيد للتميز والابتكار الذي يضمن المردود القوي والقدرة التنافسية العالمية وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا إذا نجحنا في إيجاد الطلب.
علما بأن نجاح المعاهد المحدودة المختارة سيوفر العرض والطلب, وبالتالي سيحقق العائد الذي يضمن توفير الموارد لاستكمال المشروع.
ج ـ تأهيل الثروة البشرية: ـ
لاشك في أن الثروة البشرية هي أكثر الموارد المصرية ثقلا ووعدا, ومن ثم فان مشروع تأهيلها لتحمل أعباء إدارة التنمية وإدارة التغيير لابد وأن تكون الركيزة الأساسية لتحقيق اغراض التنمية والتغيير, ومن ثم لا يصح لنا أن نتعامل معها في عجالة بين عناصر التنمية المتعددة ولكننا نري لزاما علينا في تحديد معالم البرنامج الوطني ان نتعامل مع بعدين رئيسيين في تحويل مسار التنمية البشرية في مصر نحو الاحتياجات الحقيقية للتنمية والتغيير في عالم العولمة والمنافسة غير المتكافئة, وأولي هذه الضرورات تنمية القدرات علي الابداع والابتكار وهي الملكات التي تعمل برامج التعليم والتهايل في مصر علي وئدها تماما.
فالابداع والابتكار لا تنمية اسلوب التلقين والحفظ الذي هو عماد النظام المعمول به في مصر ولكنه تخصيص شق اساسي في كل برامج التعليم منذ الحضانة إلي أعلا مراتب التعليم العالي لحفز وتنمية قدرات الإبداع والابتكار من خلال مشاريع مفتوحة كعنصر أصيل في تقييم الأداء قد تكون في شكل بحوث أو مشاريع أو مقالات أو نماذج أو رسوم أو أغان لا تعطي فقط نسبة عالية في درجات الامتحان إنما أيضا تخصص لها حصة بارزة في ساعات الدراسة في التسهيلات والامكانيات المتاحة مثل المكتبات والمراجع والمجلات وبرامج الكمبيوتر وكل أجهزة المعلومات إضافة للمعامل والورش الداخلية والخارجية.
ويجب أن تصدر مجلات مدرسية أو اقليمية لنشر المتفوق منها وإعطاء الجوائز والتكريم المناسب لها كما يجب أن تنظم الرحلات والزيارة في إطار برنامجها لتوسيع مدارك الدارس حتي تتوافر له المادة للابداع والابتكار ويجب أن تشجع الشركات والمؤسسات وأجهزة الإعلام علي رعاية هذا النشاط ودعم واعتماده كأسلوب للاختيار للمناسبين للعمل أو الخدمة في هذا المجال بمن فيهم أصحاب الإبداع العلمي والأدبي والفني من خارج هيئة التدريس.
ويجب أن تقوم الدولة بتكريم البارزين في هذا المجال علي نفس مستوي تكريم المبدعين في مجال الرياضة وغيرها من النشاطات الإنسانية الجانبية لعملية التنمية. والعنصر الثاني في التحول هو المعلم وليس المدرس. فالمدرس يدرس ويلقن موضوعا محددا بقصد تلقين التلميذ معلومات محددة ويحددها برنامج موضوع ثم يقيم قدر حفظ التلميذ لهذه المعلومات. وفي عصر قواعد المعلومات المكتوبة والمرئية والمطبوعة والالكترونية وتفجر قاعدة المعلومات فالعائد الاساسي للتعامل مع قواعد المعلومات ينتقل إلي الآليات الحديثة التي تستوعب آلاف الأضعاف المتاحة للذهن البشري ويسترجع منها المطلوب في سرعة ويسر فلم يعد علي رجل القانون حفظ كل القوانين واللوائح ولا الطبيب حفظ آلاف المستحضرات الطبية لأن عليهم استثمار طاقاتهم الذهنية في نشاطات تعجيز آليات قواعد المعلومات عن القيام بها وستظل عاجزة عنها وهي الابداع والابتكار.
ولكن بوجود المعلم القادر علي تنمية القدرات الابداعية والابتكارية فلابد أن يتسلح هو بها ولا وهو الأمر الذي لم تقترب منه كل مستويات وبرامج اعداد المدرسين ومن ثم ندر وجود المعلمين.
والمشكلة في تحقيق هذا الهدف هو المستوي المتدني الذي تحتله مهنة التعليم في السلم المهني إضافة للخلل التمويلي في تنمية العجلة التعليمية ككل. ولم تفلح قوي السوق في معالجة هذا الخلل بل زادته تعقيدا فالدروس الخصوصية والمذكرات والمراجعة والمدارس الخاصة والجامعات الخاصة التي تعالج بها قوي السوق الخلل بين الطلب والعرض تزيد عجلة التلقين واغلاق العقول عن ملكات الابداع والابتكار رسوخا وتعمقا.
ومن ثم لابد أن يكون هناك أولوية لتأهيل المعلم لحمل اعباء التحول ليس فقط بعلاج مستوي المهنة وبرامج التأهيل فيها ولكن بضمان استمرار عجلة توسيع الأفق والثقافة العامة والاطلاع للمعلم طوال مرحلة مزاولته للمهنة. وبتطبيق هذا علي كل مراحل التعليم من الحضانة الي الجامعة ووسائل تحقيق هذا مشهورة ومعروفة عالميا, من برامج الدراسة والتأهيل المستمر إلي المجلات المنخفضة المجانية الي برامج الكمبيوتر إلي المؤتمرات والندوات الي الزيارات الميدانية إلي الاستعانة بالمختصين في العلوم والفنون لتدعيم هيئة التعليم إلي تشجيع ومكافأة جهود المعلم وانجازاته للابداع والابتكار.
د ـ السياسة التنموية العلمية التكنولوجية:
هناك إجماع عالمي من أقوي الدول الي اصغرها علي أن الانفجار العلمي والتكنولوجي في عالم العولمة والمنافسة المفتوحة لايمكن أن يتم بشكل عشوائي متناثر. وكل هذه الدول تعتمد علي طرق مختلفة للتعامل مع المتغيرات المتلاحقة ليس فقط الحالية ولكن المستقبلية كأداة اساسية للوصول إلي هذا الهدف من خلال سياسة قومية معتمدة, ومصر أشدها حاجة لذلك وبحكم تخصصنا واشتغالنا بهذه الهموم منذ1960 ووضعنا سياسة للتنمية العلمية والتكنولوجية لقطاع الدواء في1960 ثم للدولة بطلب من حكومتين متتاليتين1980, ثم التجاوب مع المتغيرات الداخلية والخارجية في1996 مما سنفرد له مقالا خاصا لهذا الموضوع المهم والحيوي
رجوع الى مقالات |