|
السياسة القومية للتنمية العلمية والتكنولوجية
جريدة الاهرام الأحد 13 يوليو 2003 العدد
أبدأ مقالي هذا بخبرين سارين ومشجعين أولهما تفضل الاستاذ الدكتور/ عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء بالكتابة الي معززا ومحفزا للجهود التي يبذلها العارفون المخلصون في المشروع الأم( تأمين مستقبل الصناعة المصرية) التي تتشرف الجمعية بالمشاركة مع وزراء الصناعة وقطاع الاعمال والانتاج الحربي واتحاد الصناعات المصرية واتحاد الغرف التجارية تحمل اعبائها والأهم أنه لأول مرة في تاريخ الحكومات المصرية يؤكد رئيس وزراء مصر انه سيتخذ الاجراءات التنفيذية لوضع المناسب من اقتراحاتنا موضع التنفيذ والجديد أن سيادته يوضح حيثيات هذا التجاوب بين الحكومة ومراكز الفكر المستقلة بالاضافة الي ما التزمناه بطرح الابداعات الفردية علي المؤسسات المسئولة وأصحاب المصلحة لتمحيصها وتصويبها سعيا لرؤيا قومية فهو يبدي تقديره لما تتصف به اراؤنا صدق وتعبير عن روح التعاون المثمر لما فيه خير مصرنا الحبيبة.
والخبر الثاني ان مشروع تحديث الصناعة المصرية المشترك مع الاتحاد الاوروبي ولذي كثر التساؤل عن مدي اهتمام اتفاقيته بالتنمية التكنولوجية أبدي مديره بتأييد الدكتور وزير الصناعة رغبة أكيدة في المشاركة والدعم للبرامج التنفيذية التي تطرحها دراساتنا ليس فقط في تأهيل القيادات العليا لادارة التنمية التكنولوجيا ولافقط في ارساء أسس مهنية لنقل التكنولوجيا والتكنولوجية الدولية وتطويعها ولكن أيضا في توفيق أوضاع السياسة القومية للتنمية العلمية والتكنولوجية متطوعا لدعم كل الجهود في هذا المجال.
وإصراري علي نشر هذه الاخبار السارة هو الاحساس العميق أن آلافا من العارفين والخبراء الوطنيين يتطلعون لبذل أقصي الجهود التطوعية لخدمة أهدافنا القومية لو بدي أمامهم أمل أو فائدة وجدوي بذلهم وعطائهم وأظن أن رئيس مجلس الوزراء أزال العوائق أمام كل المخلصين.
ولقد أوجزنا في مقالاتنا السابقة العناصر المؤثرة في التنمية العلمية والتكنولوجيا التي تعرفت عليها دراستنا لصياغة سياسية قومية للتنمية التكنولوجية لمصر منذ1981 واشترك فيها مئات من الخبراء الاقتصاديين والتشريعيين والاداريين والانتاجيين والخدميين والعلماء والتكنولوجيين بقصد اظهار تكاثر المدخلات وتشابكها حتي نزيل اللبس الذي يقع فيه كثير من المتعمقين
في تخصص منفرد أن هناك حلولا انفرادية لهذا التحدي المصيري ولهذا استعرضنا الادوار الحاسمة للمدخلات:
1 ـ الوضع الاقتصادي القومي وخطة التنمية القومية.
2 ــ الوضع الاقتصادي العالمي وأعباء أزمته وعولمته وتنافسيته
3 ــ التمويل والموارد المتاحة وأعباؤها وحوافزها في مجالات الانتاج والتنمية التكنولوجية.
4 ــ التأهل المؤسسي القائم ومدي ملاءمته للتعامل مع قوانين العرض والطلب في مجال التنمية التكنولوجية.
5 ـ الثروة البشرية وأعباء تأهيلها لحمل أعباء توظيف العلم والتكنولوجيا لاهداف تنموية محددة تخطيا لقصورهما الحالي علي الخدمة التنويرية والتعليمية.
6 ـ أعباء ادارة التنمية الكمية الملحة وتوظيفها وتوفيقها مع أعباء ادارة التغيير اللازم للانتقال الي مستوي التنافسية العالمية.
7 ـ توازن أعباء ادارة الازمات الطارئة الحادة والعاجلة مع متطلبات التغيير الذي يقتضي تحميل هذه الادارة ضرورة معالجة الازمات الطارئة بحلول تراكمية مستهدفة الاسهام في مطالب التغيير والارتقاء طويلة المدي.
8 ـ الرقي بدرجة الكفاءة التي تقتضيها ضرورات التنافسية العالمية في جميع مدخلات التنمية العلمية التكنولوجية والاقتصادية والتخطيطية والادارية والتشريعية والتعليمية والتسويقية وأخيرا وليس أخرا العلمية والتكنولوجية. وهي الكفاءة الوحيدة التي ترفع من القيمة المضافة وتوجه الموارد في الاتجاه الاقصي جدوي ومردودا وتسد الطريق أمام الفساد والاسفاف والتخبط.
وبينا انه أمام هذا التعدد التشابك وشح الموارد وتضاعف الاحتياجات وتعقد الاوضاع الاقليمية والعالمية واستحكام الازمة الاقتصادية العالمية والمحلية وتوالي أزماتها الطارئة والعاجلة يستحيل مع كل ذلك ايجاد حلول قاطعة وكاملة وحالية لمتطلبات التحولات الجذرية التي تقتضيها المرتبة المتدنية جدا للواقع العلمي والتكنولوجي المصري المنافس كما بينت احصاءات البنك الدولي والمنبر الاقتصادي العالمي وبنك ميريل لنش العالمي التي نشرتها تفصيليا في مقالاتنا السابقة ولا نري مبررا لتكرارها.
فلا مهرب من الاتفاق أن التعامل مع هذه المدخلات المتعددة وذات الوظائف الكثيرة الاقتصادية والاجتماعية في ظل هذه الاوضاع إلا من خلال رؤية قومية متوازنة وممتدة وطويلة المدي ولكن اتصالها وتكاملها يسمح بترتيب الأوليات وتوزيع الموارد وتقييم حاسم لجدوي الاختبارات ليس فقط من حيث علاجها للازمات الطارئة ولكن أيضا من حيث وضعها لبنة في البناء نحو الحلول المتراكمة المؤدية الي خدمة أهداف التحول والرقي الي مستوي التنافسية العالمية.
وقد بينا في مقالاتنا السابقة ضخامة الاحتياجات للتنمية العلمية والتكنولوجية في مجالات التمويل وإعادة الهيكلة المؤسسية وتنمية الطاقة البشرية في اتجاه الاسهام التنموي ودعم القدرات الابداعية والابتكارية وفي مجال تفعيل قوانين العرض والطلب وما يقتضيه ذلك من ترشيدات عميقة في قطاع الانتاج والخدمات والبحث العلمي والتكنولوجي والتعليم ولم نغفل أن نؤكد قناعتنا بأن كل هذه التحولات لابد وأن تكون تراكمية علي مدي زمني محدد في حدود الموارد المتاحة والأوليات المتضاربة والمتنافسة في مجالات التنمية الشاملة.
ولكننا أيضا أكدنا عدم جدوي الحلول الوقتية المتناثرة والعشوائية والتي وان تجاوبت مع أزمة حادة طارئة فهي قد تشل التوجه التراكمي المدروس والمتكامل الذي يهدف الي الانطلاق الجذري الذي هو املنا الوحيد كما كان امل كل الدول الصاعدة المتقدمة ولازال هو املها حتي اليوم.
وهناك سببان اضافيان يجعلان السياسة القومية للتنمية التكنولوجية لها أهمية خاصة بالنسبة لمصر علي وجه الخصوص.
اولهما أنه اضافة لنقص الموارد والامكانيات بالمعايير الدولية كما سبق وبينا فإن العائق الأكبر من هذا النقص هو اهدار وبطالة الامكانيات المتاحة فعلا والتي نقدرها جزافا من واقع خبرة طويلة في كل مجالاتها بما يعادل90% هذه الامكانيات والقدرات والخبرات المعطلة يمكن أن تحدث نقلة جزئية ولكنها مؤثرة وبتكلفة ليست خارج امكانياتنا ولكن تعبئتها وتفعيلها يقتضي تضامن وتكاتف الدولة والقطاعات الانتاجية والخدمية والاقتصادية والتعليمية والعلمية وقبلهم جميعا الرأي العام المتنور والوطني الذي سيتحمل الأعباء والتكلفة.
وهذا ما لا يمكن تحقيقه الا من خلال رؤيا قومية تشارك كل هذه القطاعات في صياغتها وتبنيها وتحمل اعبائها.
وثانيهما: ـ ان مفردات السياسة القومية للتنمية العلمية والتكنولوجية ليست مفقودة في مصر فالعديد من الآراء والدراسات بل حتي المشاريع تزخر بها عطاءات القطاعات الاقتصادية والتخطيطية والانتاجية والخدمية والعلمية والثقافية والاعلامية.
وقد فوجئنا في1980 عندما بدأت أول تجربة بدعم الحكومة وفي اطار اكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالعطاء الوافر من كل القطاعات بما فيها التشريعية والاجتماعية وكان همنا الأول هو تقييم وتوفيق هذه الاسهامات للخروج باختيارات موحدة مجدية يستند اليها آخذ القرار.
واليوم اتابع تنامي وتصاعد هذه الامكانيات في كل القطاعات وكل منها بالغ المناسبة في مجال تخصصه ومصالحه ولكن السياسة القومية هي التي تستطيع ان تصيغ الرؤيا القومية بما تقتضيه من موازنة بين الاهتمامات الخاصة والمصالح المحدودة والضرورة القومية للتكامل فالتوازن والاتصال والاستمرارية اللازمة للحلول التراكمية نحو الغايات النهائية هي مقصدنا جميعا.
ولهذا السبب نقلت الجمعية مركز الثقل من الجانب الأكاديمي الي المؤسسات صاحبة المسئولية والخبرة والمصلحة وهي اتحاد الصناعات ووزارة الصناعة ووزارة قطاع الأعمال والانتاج الحربي الذي يمثل الدينامو القائد في الدول الكبري اضافة لاتحاد الغرف التجارية باعتبار عجلة التسويق من أكثر عناصر التنمية العلمية والتكنولوجية فاعلية.
ومع كل هذا كان همنا دائما ان الدولة صانعة القرار لابد ان تكون الوعاء الذي تصب فيه كل العطاءات ولهذا كان تجاوب ا.د/ عاطف عبيد ليس فقط بالتشجيع والدعم ولكن بالوعد بوضع كل المناسب( وهذا حق صانع القرار) في اطار اجراءات تنفيذية هو جائزة لمئات المساهمين علي مدي عشرين عاما ولا شك أنه سيعالج تحفظات السلبيين واليائسين.
وطلب مشروع تحديث مصر والاتحاد الأوروبي المشاركة في هذا الجهد له مغزي كبير وهو أن دعم الأصدقاء يتطلع الي ضمان مردود ملموس لدعمهم ومعاونتهم تلمسه الشعوب فرغم تشكك المتشككين في اغراض المعونات الأجنبية وبصرف النظر عن خلفياتها السياسية التي ليس هذا مجال مناقشتها فإن الاقتصادات العالمية تضع لقانون الجدوي ولا تبدد جهودها او علاقاتها او معوناتها ما لم يتوفر ضمان الجدوي لها لصالحها كما هو لصالح الآخرين والضمان هنا هو العمل في اطار رؤيا قومية شاملة متكاملة ومتصلة ويحضرني اننا تلقينا نفس الدعوة من المعونة الأمريكية1983.
لقد سبق أن وضعنا سياسة قومية في اوائل الثمانينيات علي الأسس القائمة في هذا الوقت وهو الاقتصاد المركزي الموجه والقطاع العام والمسئولية المنفردة للدولة عن التنمية.
واعدنا صياغة ما امكن صياغته في منتصف التسعينيات في ضوء الانفتاح والخصخصة وتصاعد دور القطاع الخاص ودوره الرئيسي في التنمية وضوء المتغيرات الدولية الوليد مثل العولمة واتفاقية الجات التي لم تكن معالمها قد استقرت.
واليوم في ضوء تصاعد حدة التنافسية العالمية ليس فقط علي الأسواق ولكن علي الاستثمار والثروة البشرية عالية التأهيل وتصاعد المصالح الاستراتيجية ومناطق النفوذ وتحكم مؤسسات الاقتصاد العلمي من البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية وتصاعد الفجوة ليس مع الدول الصناعية الكبيرة بل مع الدول الصاعدة مثل الصين والنمور الأسيوية واللاتينية ومع ضيق نوافذ الفرص وارتفاع تكلفتها ومع الانفجار العلمي والتكنولوجي القادم والذي سيحول الفجوة الي تهميش تخصص اوروبا والولايات المتحدة مليارات الدولارات لتطوير خلايا الطاقة الهيدروجينية لتهميش عامل الميزة الوحيدة التي تمتلكه الدول الصغري.
وتتكاتف اوروبا في مشاريع مشتركة في المجال الذري والبيولوجي والفضاء الخ ولعدم قدرتها علي تمويل مشاريع منفردة تنافس بها العمالقة وحتي عندما تخصص الولايات المتحدة700 مليون جزئيات دولار لتطوير تكنولوجيا النانو( استخدام جزئيات لا يزيد حجمها عن1 علي مليون من الملليمتر لاداء وظائف ميكانيكية بنائية داخل المواد والانسجة الحية وهي تكنولوجيا لم تتضح بعد جدواها التطبيقية وعندما تشترك الدول الصناعية الكبري بما فيها الاتحاد السوفيتي في انشاء وادارة محطة فضاء لازمة لاجراء ابحاث علمية اساسية بعيدا عن الجاذبية الأرضية نستطيع ان نتعرف علي معالم السياسات العلمية والتكنولوجية للعالم المعاصر الذي لا خيار لنا الا ملاحقتها ان لم يكن المنافسة فيها.
وفي الختام يحضرني قول وزير البحث العلمي البرازيلي في اجتماع اللجنة الاستشارية للأمم المتحدة للعمل والتكنولوجيا منذ15 عاما عندما تشرفت برئاستها.
(ان الدولة النامية التي لا تضع لنفسها سياسة للعمل والتكنولوجيا عليها ان تعتبر انها بذلك تقدم استقالتها من العالم المعاصر)
ولست اعرف اذا كان لي بقية من الوقت والجهد للاسهام الفعال في هذا المجهود طويل الأمد ولكني اهيب بالقيادات السياسية والتنفيذية وقادة القطاعات الانتاجية والخدمية ان يوفروا كل الدعم والحفز لمئات الرواد القادرين علي اداء هذه المهام بما فيها منابر الفكر المستقلة التي تتصاعد اهميتها في كل دول العالم المتقدم في عصر الانطلاقة والمتغيرات.
وسيبقي اصرارنا علي ان صياغة السياسة القومية لا يمكن ان تكون من نتاج ابداعات وعبقرية العقول الفردية ولكنها مسئولية قومية تتحمل اعباءها المؤسسات المختصة والمسئولة واصحاب المصالح المعنية يغذيها فكرهم وخبرتهم وفكر وخبرة المؤهلين في مجال رسم السياسات من المثقفين للتعامل الديناميكي المستجيب للمتغيرات المتسارعة والمتصاعدة بشكل دائم ومستمر.
رجوع الى مقالات |