Banner
   

 إنقاذ أمه ونظام


من أيات هذا الكون أن النظم الطبيعية والحيوية والمجتمعية فى عالمنا تحكمها أساسيات عامة من انتظام وتكامل واستمرارية مكوناتها ومراحلها فهى جميعا تتشكل فى مقدمات بيئة وظروف وتفاعلات مرحلية تصيغ تركيباتها وعلاقاتها التى هى بالتالى تفرز عوامل تغير البيئة والظروف والتفاعلات التى تفقد بها المرحلة مبرراتها وجدواها وتحتم صياغة مبتكرة لتركيبات وعلاقات ملائمة لمنشأ نظم جديدة متطورة فيما يسمى بالطفرة التطويرية .


وإذا كان محتماً ان النظم الحيوية التى نشأت أول ما نشأت فى البحار ان تمتد إلى اليابسة ثم الجو فلم يكن ممكناً ان الزواحف التى خرجت من البحر ان تستعير أجنحة لتنطلق كطيور فى الجو. ولكن كان لابد من طفرة تطورية متواصلة لتحقيق هذه الغية وإذا كانت النظم الاجتماعية البدائية التى اعتمدت على طاقة الانسان والحيوانات المستأنسة قد أفرزت مجتمعات العبيد والاقطاع فإن الطاقة المستجدة من الرياح واندفاع مياه الانهار ثم طاقة البخار والكهرباء قد افرزت مجتمعات الثورة الصناعية والمجمعات الديمقراطية والاشتراكية ثم تتلوها الطاقة النووية والالكترونية والليزر لتنهد نحو عولمة الكرة الارضية نحو القرية الموحدة.


وطبيعية عالمنا الذى تحكمه حتمية النشوء والتطور التى تعتمد الطفرات التطورية هى التى افرزت القاعدة السائدة فى كل نواحى حياتنا وهى قاعدة الهدم والبقاء أى هدم غير المجدى والفاقد للمبررات لخلق المجدى والمبرر ولكن الطفرات التطورية لا تتم فى سلاسة وسلم ولكنها تحمل فى طياتها صدام المضادات حتى يتحقق للأصلح البقاء والسيادة فإذا انتقلنا من العموميات الى الخصوصيات فإن النظم السياسية التى هى قمة النظم الاجتماعية فى حضارتنا المعاصرة تحكمها نفس الاساسيات العامة.


فالنظم الشمولية تتواجد بعد أن فقدت مبرراتها وجدواها عالمياً كافراز لبيئة وعوامل وعلاقات مرحلية تسمح لها بالتمسك ببعض خواص نظام العبيد والاقطاع السياسية حتى وإن افتقرت الى اسسه الاقتصادية وعلى عكس ما يتصوره البعض فدور الفرد أو العصابة لايخرج عن أن يكون ركوب موجة المبرارات المرحلية ثم مقاومة الطفرة التطورية المؤدبة لزوال المبررات المرحلية.


والنظم السياسية الشمولية مهما كانت درجة الانفرادية فيها مثلها النظم الطبيعية والحيوية هى ظواهر معقدة متشابكة المكونات والطبقات وكل طبقة فيها تستمد فاعليتها من الطبقات التى تسبقها وتليها وتتكون هذه الطبقات من اصحاب المصالح والمنافع والتطلعات مهما تفاوت اوزان هذه المنافع والتطلعات فالنظم الشمولية لابد أن تستوعبها وتعمل جاهدة على توسيع دائراتها كضرورة من ضرورات البقاء ومن هذا تصبح كل طبقة منها اسيرة لسائر الطبقات رغم كل مظاهر الانفرادية واليهمنية.


وهى فى سبيلها لتوسيع هذه الدائرة لابد وان تعتنق قاعدة الجور على منافع وتطلعات المنشقين عن اطرها التنظمية كحتمية لسد غائلة المنتفعين والمتطلعين من كوادرها ومن ثم يستحيل ان تكون نظم مؤسسات او سيادة قانون كما يصبح الفساد وغياب معايير الصلاحية والكفاءة من خصائصها.


وككل النظم الفاقدة للمبرر والجدوى لابد ان تتضاعف سلبياتها كلما تأزم موقفها حتى وان اغتصب منها مكاسب هامشية تحت ضعط وتهديد الطفرة التطورية القادمية وفى سبيل ذلك لابد وان تحارب بإستماتة كل خطورة للامام بما يفوق وزن هذه الخطوة لان كل خطوة هى اقتراب من نقطة النهاية ولتغطية هذه الاستجابة تروج وتصعد من مخاطر التغيير بل تستصنعها وتستدعيتها اذا لم يكن لها وجود .


وكلما ازدادت أزمتها فضحت حقيقة أهدافها ووظائفها الاساسية وهى التمسك بالبقاء رغم فقدان كل المبرارات والجوى وهى فى سبيل ذلك تلجأ الى التظاهر باستبدال المبادئ والحلفاء وتتجه إلى ما لم تلتزم به كأساسيات ولا ترى فى هذا التذبذب ضرراً على مصداقية لم تتوفر لها ولا هى ترتكز عليها فى البقاء .


ولابد أن يفرز هذا التذبذب واستبدال التوجهات والحلفاء والخصوم بإغفال حقيقة الازمات التى يتعرض لها المجتمع وافتعال وإشعال أزمات يتعرض لها النظام ومن ثم تصبح استماتتها فى التمسك بالجمود هى أكثر عوامل الخطر على الاستقرار والتطور الرتيب.


والنتيجة النهائية لهذه الخواص هى ان النظم الشمولية تبقى عبر التاريخ اكبر عقبة فى التطور السلمى السلس وأخطر مسببات الصدام والنزاع وعلى مدى السنوات تعاقبت أزمات بداية من تعديل احدى مواد الدستور الى انتخابات رئاسة ومجلس تشريعى معيبة الى تهريب عشرات المختلسين الغاصبين الى ماسى العبارة والسكك الحديدية واشتعال الاسعار والبطالة وحرائق واعتقال المئات من المواطنين وكلها أكدت وجود خلل جسيم فى النظم الاساسية والهيكلية ومستوى الاداء اى انعدام الجدوى والصلاحية للنظم السائد وكان التعامل مع العدوان الهمجى الاسرائيلى على لبنان مثيراً حاداً لهذا التساؤل خاصة مع التواطؤ الامريكى الفاضح .


ولست من مؤيدى توجهات النظم السياسية والاقتصادية والفكرية القائمة فى مصر ولا انا من المقتنعين بكوادرها .
وفى الحقيقة لم أكن من مؤيدى اى نظام منذ نظام الملك فؤاد الذى فصلنى من المدارس الاميرية فى 1935 فيما عدا اقتناعى بتطلعات الوفد لارساء حكم الاغلبية حتى قيام الحرب العالمية الثانية وتطلعات عبد الناصر للاستقلالية والعدالة الاجتماعية رغم تحفظاتى الثابتة على سائر ممارساتهم .


ومن ثم فقد تبدو دراستى حول انقاذ نظام خروجاً على التزام تاريخى فى أقل الظروف مناسبة مع انعدام المبررات ولكنى لا أعكس فى دراستى هذه توجها عقائدياً أو سياسياً ولكنى التزام بأصول التمحيص العلمى الموضوعى الذى يستهدف الغرض الاساسى وهو انقاذ الأمة..


وفى اطار هذه الدراسة هناك مبرران داخلى وخارجى لحفز غير المؤيدين لمحاولة انقاذ النظام بالدفع لتأهليه لمسايرة حتمية الطفرة التطورية أما المبرر الداخلى فهو ما يزداد وضوحاً كل يوم ان النظام لا يعى واكثر من ذلك لا يريد ان يعى حتمية الطفرة مما يدفعه للتخندق فى توجهات الكبت والصدام ويزداد انغماسه للارتكاز على آليات الارهاب السياسي كعصى وتبنى الفساد كجزرة وفى اطار الفراغ السياسي والفكرى الذى فرضه على المجتمع .


فالدراسة العلمية الموضوعية تبين انه ليس فى مصر حياة حزبية حقيقية وهى الاليات الاصلية للممارسة الديمقراطية والقنوات الاساسية للحوار والتفاعل السياسي وفيما يسمى الحزب الوطنى فهو ليس الا تجمعاً سلطوياً ادارى انتهارياً يمكن ان يخدم أى عقيدة ويساير أى توجه ويخضع امام اى استبداد لمراكز القوى والاحلاف حتى اذا اقتضى ذلك تحولا على درجة 180 درجة .


ولايمكن فى ظل الاحكام العرفية وأغلال قوانين الممارسة السياسية والاحزاب ونكتة قانون العيب والمدعى الاشتراكى والمحاكم السلطوية وتزوير الانتخابات والاستفتاءات وترسيخ مفاتيح السياسة والاقتصاد والاعلام والسلطة الاتنفذية والتشريعية فى ايدى عتاه المنتفعين والمتطلعين وطغيان ادوات الارهاب الأمنى وسجونه واشاعة معايير الاستسلام والنفاق والانتهازية أن تقوم قائمة لحياة حزبية بأى شكل من الاشكال .


وكما بينا فى تحلينا العام لطبيعة النظم والتطور فان غائلة النظم التى انتهت مبرراتها وجدواها يصاحبها تزايد عسفها وتحشد كل قوى ممارسة منع التغيير مهما ارتفعت كلفتها ومهما تضاعفت مخاطرها والخطورة ان هذا الحشد لا يتم على المستوى الاعلى فقط بل تعمل النظم المتأزمة الى الحشد الشامل المتهور على كل المستويات ولعل ظاهرتين حديثيتين تبينان مخاطر هذا يعتمد أساسا على ترسيخ سياسة الجزرة والعصا.

 


فاذا أخذنا تشريع الصحافة نرى كيف ان الحزب والحكومة واجهزة الاعلام الحكومية بل استماتة المراكز للقوى الاقتصادية فيما سمى بالطعن فى الذمم المالية فى مرحلة تتصاعد الاشاعات والطعون فى ذممهم المالية وتجنيد وحشد اعضاء مجلس الشعب من الحزب واجهزة الاعلام الحكومية والمتطلعين من الكتاب والمفكرين كان اشهاراً فاضحاً لتبنى السلطة حماية ودعم الفساد كما ان استماتتهم فى الاصرار على موقفهم رغم المعارضة الصارخة فى كل الاوساط حتى يضطر رئيس الجمهورية والحزب لانقاذ ما بقى من مصداقية تفضح فدى فقدان النظام للأهلية والجدوى من قاعدته الى قمته للامر بالتراجع ثم هناك حادثة طالبة الدقهلية التى عبرت فى اجابتها على اسئلة الامتحان عما يردده كل مصرى وكل مفكر وكل معلق على الامور العامة بما فيها منابر واجهزة الاعلام .


ولا يصح ان يفوت استيعاب مدلول الواقعة فالمصحح لورقة الاجابة للطالبة سواء كان دافعه الخشية ولا تطلع لم يستطع تحمل المسئولية ونفس الدوافع حكمت تصرف المدرس الاول وناظر المدرسة ومدير المحافظة ولعلهم جميعاً يرددون فى مجالسهم ما ذهبت اليه الطالبة ولكن الرهبة والرغبة التى بنى عليها النظام من قاعدته الى قمته هى التى ختمت هذه الفضيحة المعيبة والتى ليست استثناء بل قاعدة لخواص هذا النظام وتدخل الوزير ورئيس الجمهورية لمعالجة تفاهات النظام بعد الصدى الدوى الى حد ان المصحح يشتكى انه لا يستطيع تحمل المقاطعة والشجب من اهالى المدينة مرة اخرى تؤكد عمق جذور الخلل والقصور وفقدان الأهلية والمبررات لكل اسس وهياكل النظام .


وفى ضوء هذا الواقع والبيئة السياسية التى حللناها يصبح الانفجار غير مضمون العواقب خاصة ان القوى الفاعلى الوحيدة كلها خارج الاطار التشريعى المتعمد سواء كانت جماعة الاخوان او المنظمات الاهلية ونوادى القضاة والجامعات… إلخ .
ثم هناك المبرر الخارجى ففى مرحلة تأزم مرحلة التحول تقوم حوافز قوية للتهاون مع القوى الخارجية سواء تمثلت فى الدولة العظمى او المنظمات الدولية او اسرائيل تجنباً لتصاعد الضغوط املاً فى المساندة الخارجية التى قد تعوض تعذر الحصول على المساندة الداخلية بل قد تساعد على الالتفاف حولها .


ويحمل هذا التوجه احتمال التصاعد للتفريط كلما تصاعدت حدة الاتقان الداخلى فى كل نظم المنطقة مما قد يدفع الى اغفال اساسيات وثوابت المصالح القومية الاقتصادية والامنية والاستراتيجية للاسف ان مثل هذه التنازلات حتى وإن كان المقصود منها ان تكون مناورة تكنيكية الا ان الواقع العالمى يؤكد ان كل تنازل يتعذر استرداده ولهذا العوامل الخارجية والداخلية يصبح من واجب الجميع مؤيدين ونعارضين سلوك كل الطرق المؤدية الى الطفرة التطورية فى سلاسة احتملات الانفجار .
فلا يصح ان ننسى ان انقاذ الأمة هو الهدف الحقيقى حتى وان ذلك اقاذ النظام من غفلته

رجوع الى مقالات