Banner
   

 انتقال التكنولوجيا‏..‏حجر الزاوية في بناء الحضارة الإنسانية

مجلة الاهرام السبت 19 اكتوبر 2002 العدد 126

في‏1970‏ وقمة عنفوان حركة عدم الانحياز‏,‏ طرحت الحركة البعد الاقتصادي لمطالبها فيما سمي بالنظام العالمي الجديد‏,‏ والذي سعي إلي رفع نصيب الدول النامية في التجارة العالمية والاستثمار‏,‏ مع تعديل شروطهما ومشاركة عادلة في التطور العلمي والتكنولوجي‏.‏


وكان رد الدول الصناعية علي البند الأخير هو أنه يعكس جهل الدول النامية‏,‏ لأن تبادل العلم والتكنولوجيا عملية فنية معقدة‏,‏ لا يمكن أن ينظمها تشريع أو اتفاق قانوني‏,‏ وكنت في هذا الوقت أحد القادة السبعة لـبجواش الدولة‏,‏ التي كانت لها مكانة عالمية بارزة‏,‏ بحكم أنها كانت منبر اللقاء الوحيد بين حلفي وارسو والأطلنطي‏,‏ والمحتشد فيها أكبر خبرائهم‏.‏

 

ولجأ إلي سرندرا باتل الهندي رئيس قسم التكنولوجيا في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية‏,‏ مفسرا أن الدول النامية لا تملك ردا علي هذا الادعاء‏,‏ لكن لو أن منظمة علمية عالمية مثل بجواش تولت الرد سيكون حاسما‏,‏ وأنه استطاع تجنيد كلية الدراسات العليا في جامعة جنيف لاستضافة هذا المجهود‏,‏ ولأن خبراء بجواش كلهم كانوا أعلي المستويات في مجال التسلح والأمن‏,‏ ولم يكونوا متعمقين في المجابهات الاقتصادية والتنموية أمكن إقناع القيادة بتولي العملية‏,‏ وأصدرت بجواش دراسة علمية تؤكد ليس فقط إمكانية هذا التنظيم‏,‏ ولكن ضرورته‏,‏ وحدت كل الأسس التي يجب أن يرتكز عليها‏,‏ وتولت الجزائر ـ التي كانت ترأس حركة عدم الانحياز ـ طرح المشروع علي الجمعية العامة‏,‏ وتقرر أن تبدأ المفاوضات الرسمية في الانكتاد‏(‏ التجارة والتنمية‏)‏ في جنيف‏,‏ وكان لي شرف تمثيل الدول النامية في هذه المفاوضات التي سميت ميثاق نقل التكنولوجيا من‏1975‏ ـ‏1985,‏ حين رفضت الولايات المتحدة استكمالها‏.‏


وكان منطلقنا أن التكنولوجيا التنموية لايمكن التعامل معها علي أنها مجرد سلعة مثل الحذاء الموسيقي أو صبغة الشعر‏,‏ أو أغنية‏(‏ روك آند رول‏),‏ لأن غالبية البشرية تستطيع أن تعيش وتنمو بدونها‏,‏ ولكن التكنولوجيا التنموية مثل رأس المال والعمالة والموارد الطبيعية‏,‏ هي ركن أصيل في العملية التنموية‏,‏ ومن ثم فهي في الأساس أداة تنمية وليست سلعة استهلاكية‏.‏

ولأن طبيعة التطور العالمي اجتمعت في كل مراحل التاريخ أن يتركز التقدم التكنولوجي في بقعة معينة من العالم‏,‏ فإن انسياب انتقال التكنولوجيا كان ركنا أصيلا من بناء الحضارة الإنسانية منذ اختراع النار‏.‏


ولهذا‏,‏ فإن هناك مصلحة مشتركة عالمية بألا يقف الفقر أو الجهل والتبعية في طريق انتشار الانتفاع بالتقدم العلمي والتكنولوجي‏,‏ الذي يمكن أن يجعل كل المجتمعات منتجة ومستهلكة فعالة بما يعود بالفائدة علي الجميع‏.‏

واعترفنا بحق الملكية ووجوب أداء مردود لها علي الاستفادة من ملكيتها‏,‏ ولكننا تحفظنا علي حق الاحتكار‏,‏ وأصررنا علي ضرورة أن يتوازن مع حق التنمية‏,‏ ووضعنا قيودا وضمانات تحمي حق التنمية في ضوء ما يتفق عليه من حدود لحق الاحتكار‏,‏ وضربت لممثلي الدول الصناعية مثلا لتقريب المفهوم إلي أذهانهم‏.‏


إننا لو اعتبرنا التكنولوجيا عبارة إلي شط الرخاء‏,‏ فمن حق صاحب العبارة أن يقتضي أجرا لكل من يرغب في العبور إلي شط الرخاء‏,‏ ولكن إذا أصر صاحب العبارة علي حقه في احتكار نظام العبور‏,‏ فهو يضع قيودا علي المصلحة العامة‏,‏ يقتضي مقابل حمايته من المنافسة حماية المستهلك من الاحتكار‏,‏ بحيث تتوازن الحقوق والمسئوليات‏.‏

 

وعلي مدي عشر سنوات‏,‏ أمكن الاتفاق علي كل الأحكام المتوازنة‏,‏ ولكن الدول الأكثر احتكارا للتكنولوجيا‏,‏ وليس كل الدول الأوروبية علقت موافقتها علي شرطين‏,‏ الأول هو عدم خضوع القانون أو القضاء المتعلق بهذا الموضوع للسيادة الوطنية‏,‏ ولكن يوكل إلي تحكيم دولي‏.‏ والثاني أن كل هذه الأحكام لا تلمس العلاقة بين الشركات المتعددة الجنسية وبين الشركات التابعة لها باعتبار أنها جزء مكمل لها‏,‏ ولا دخل للشرعية الوطنية في تنظيم هذه العلاقة‏.‏


وقد نشرت الانكتاد مجلدا عن هذه المفاوضات‏,‏ بما فيها المهزلة النهائية‏1985,‏ التي كان من حظي العثر أن تقرر الدول النامية أن أكون المفاوض المنفرد فيها أمام الدول الصناعية مجتمعة‏,‏ وقد أعود إلي هذه التجربة الآن‏,‏ كما قال لي أحد قادة سكرتارية الأمم المتحدة‏,‏ من ليس له ماض ليس له مستقبل‏,‏ وذلك في مناسبة عودتي في منتصف التسعينيات للاحتفال بتقاعدي‏,‏ واعتراف ممثلي الدول النامية بعدم معرفتهم بأنه من هذا التاريخ تم إصرارهم علي أن هذا التاريخ هو تاريخ عمالقة‏,‏ لم يعد العالم النامي يملك مثيلا لهم‏.‏


ولكن المهم والأهم‏,‏ أن المفكرين في الشمال والجنوب يعودون ـ كما بينت في مقالي السابق ـ عن تحفظات المجلس الاستشاري الدولي في بريطانيا‏,‏ ومجلس الاكونوميست‏,‏ إلي أطروحاتنا التي طرحناها في السبعينيات‏,‏ فليس صحيحا أن احتكار الملكية الفكرية يخدم الاقتصاد الأفقر‏,‏ ولا هو ينمي القدرة الابتكارية فيه‏,‏ وليس صحيحا أنه يعود علي المدي الطويل بالمنفعة علي الاقتصاد العالمي‏,‏ وليس صحيحا أن التكنولوجيا التنموية يمكن تركها لقوي السوق‏,‏ مثل أغاني الروك والرول‏,‏ لأنها أساس حيوي للتنمية‏.‏ وليس صحيحا أن الضرورات والمصلحة العامة تخضع لأحكام وأولويات نظام عالمي وضع لخدمة العلاقات بين الاحتكاريين بعضهم بعضا‏,‏ حتي فيما يتعلق بالحياة والصحة والغذاء والأمن‏.‏

 

وليس صحيحا أن ولاية كهنة العولمة في منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد العالمي ووزارة الاقتصاد في الدول السبع الكبري أمينة علي المصالح العالمية‏,‏ بما فيها الفئات المهمشة في دولها ذاتها‏,‏ وبالأحري في الدول الأضعف والأشد فقرا‏.‏


وليس صحيحا أن نظاما أو اتفاقا أو معاهدة دولية تجب الولاية الوطنية أو تحد السيادة والمسئولية الوطنية للمحافظة علي المصالح الحيوية لمجتمعاتها‏.‏

 

وأمامنا ليس فقط أفكار العلماء والخبراء‏,‏ ولكن تصرفات الدول الكبري‏,‏ وعلي رأسها الولايات المتحدة‏,‏ التي رفضت عشرة اتفاقات دولية عليها إجماع‏,‏ لأنها لا تخدم مصالحها الذاتية‏,‏ وضربت بمفاوضات الدوحة عرض الحائط‏,‏ بفرض رسوم مرتفعة علي واردات الحديد والمنتجات الزراعية‏,‏ وليس حقيقة أن الدول الأفقر لا تحتاج إلي معاملة واستثناءات خاصة‏,‏ كركن من أركان القانون الدولي‏.‏


إذن لم نكن مبالغين في‏1970‏ حتي وإن لم نملك القدرة علي الدفاع عن الحق‏,‏ وحتي إذا نسي أو تناسي مفكرونا الحق نفسه‏.‏

 

 

رجوع الى مقالات