جريدة الاهالى
قد يكون استخدام لفظ التغيير فى غير موقعه لأنه يحمل مدلول الاختيار الطوعى أما ما يمر به العالم العربى وعلى رأسة مصر من استنزاف فى نظمها ومدى صلاحتيها وما يمسك بخناقها من متغييرات جذرية داخلية وإقليمية ودولية وقبل كل شىء عصرية فليس ما نحن مقبلون عليه طوعيا أو أجباريا … اللهم الا فى حدود السبل والآليات ولا يرجع ذلك إلى خاصية بنى جغرافية أو ثقافية ولكنه يرجع إلى أن الطرق المحتم علينا سلوكه سبقنا إلية كل دول أوربا الشرقية بعد انهيار أغلال وجمود النظم السيتالينية طوعا أو جبرا وسبقتنا إلية دول أمريكا الاتينية بعد وطأه نظم انفرادية بينوتشية فى شيلى وبيرمن وزوجته الامعة إيفا فى الانقلابات العسكرية أو ذيولها فى الارجنتين والبرازيل وسائر دول أمريكا الجنوبية الوسطى بعد أن استنزفت أغراضها داخليا ودوليا بسحب الرضا والدعم الأمريكى والأوروبى بل وأيضا العديد من الدول الإفريقية وطريق التغيير هذا ليس مجرد لنصوص وأحكام دستورية وقانونية ولا هى إضافة تغيير كوادر وقيادات تشربت وتمرست على المناحى التسلطية ولكنه فى الحقيقة يعتبر كل هذا مقدمة لتغيير فى نمط السلطة والتعامل والعلاقات والمسئوليات والالتزامات وهو ما يخرج عن طاقته أى قرارات فوقية .
ومن ثم ما قد تولده مرحلة الإصلاح من ترشيد وتحضير لأحكام الدستور وتنقية للقيادات وكوادر العهد للبائد من حاملى المسؤلية وممارسى السلطة تحت التسلط والى الرقابة الشعبية لا يمكن إلا أن يكون مجرد مقدمة لعمق واتساع التغيير الذى ينمو ويترعرع فى هذه البيئة الجديدة وفى مراحل التحول هذه بكل مارساته وقوانينه ولوائحه وانحرافاته لن يكون الطريق دائما مفروشا بالورد … فكما حدث فى عشرات التجارب للتغيير فى انحاء العالم سيصل للسلطة تيارات غير منفتحة للتغيير كما وصلت الأحزاب الشيوعية للأغلبية فى بعض دول شرق أوربا كما يصل إلى منصب القيادة المركزية والمحلية نفس التيارات المستبعدة ولكنها انتكاسات يتولى النظام الديمقراطى علاجها دون الإخلال بصلب كيانه.. فتشرشل تمتع بسلطات غير مسبوقة فى إدارته البطولية لحزب الوجود أمام جحافل النازية وحقق معجزة التمهيد لدحر النازية ولكن الناخبين نحوه عن السلطة فى نهاية الحرب وعلى مشارف إرساء نظام تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية كما كانت أولية الشعب بعد نهاية الحرب الثانية وما جرى فى انتخابات صربيا الأخيرة من هزيمة التيار المتشدد وطنيا فى مجتمع تتغلغل فى كيانه التراث الوطنى والعنصرى وما جرى فى بيرو من هروب النصاب اليبانى الذى اغتصب كل السلطات وأعاد الفساد .. مثال من عشرات الأمثلة وغيرها من عشرات العثرات التى تخطتها الشعوب المتحررة والمجالس النيابية التى طال تخصصها فى الصم على قرارات السلطة .. لم يعد من الممكن استمرارها فى هذا التخصص المذل لأنها تتعرض لامتحان عسير كل أربع سنوات يطيح بها ويطيح بالحكومة وهى قبل كل شئ القادرة على منح الثقة أو حجبها وحذلك مجلس المحافظة المنتخب علية نفس السلطة والالتزام قبل المحافظ المنتخب .
وكذلك العمده فى القرى والعمداء فى الكليات ورؤساء الجامعات والاتحادات والهيئات وأجهزة الإعلام جمعيا واذا أخطأ الرأى الشعبى مرة فهو لا يخطئ مرات فى ظل حرية الرأى والحركة السياسية الحقيقية ولاشك أن خرافة عدم وصول الشعوب إلى درجة الوعى للاستغناء عن الوصايات المغتصبة تكذبها كل تجارب التاريخ والواقع المعاصر ورغم أنه مضت على أخر زيارة لى للهند كضيف على الرئيس راجيف غاندى سنون سبقتها سنون أطول من ممارسة الحكم الديمقراطى الذى أرساه عبقرى العالم الثالث تهرو وخلال تلك الزيارة رأيت من الجهل والفقر والتشرذم العنصرى فى كثير من قطاعات الشعوب الهندية ما لم أره فى إفريقيا نفسها ورغم تعدد العناصر واللغات إلى حد يفوق الخيال واتساع الرقعة بما يبدو معه استحالة الحكم المركزى ترعرعت الديمقراطية إلى حد أن الانتخابات الأخيرة أسقطت الحزب الهندوسى الذى حقق نجاحات اقتصادية غير مسبوقة وطفرات تكنولوجية ووزن عالمى مشهود حتى مع أمريكا والباكستان لأن منافع التقدم والنمو البالغ انحصرت فى أقلية ولم تصل إلى جمهرة الشعوب التى استردت حقها رغم الفقر والجهل البالغ .
مع هذا فرغم هذه الفرص الواعدة والآمال القريبة المنال فلا يصح أن نغفل الثمن الغالى الذى يقتضية انتهاز الفرص وبلوغ الآمال وهذا الثمن هو الأعباء التى يجب أن يتحملها رواد كل الفئات والتجمعات والمؤسسات فى هذا السبيل والجهد والتضحية الحتمية بل والمخاطر لبعث لبكوادر القادرة على تحمل المسؤليات وإنجاز المهام وخلق لغة الخطاب والعلاقات الازمة لاستقبال وترسيخ التغيير نحو المجتمع الجديد بتطهير مجلات العمل القومى من الانكشارية وحملة القماقم والمباخر وتنابلة السلطان واستبدالها بسيادة الشعب الذى سماهم إسماعيل باشا بالطغمة عندما ذكرته خلال لقاءاتى معه كرئيس اللجنة الوطنية للعمال والطلبة 1946 أن “بريطانيا” لا تتفاوض معه لذكائه اللماح أو ثقافته العالية ولا لتأييده للسراى ولكن لادعائه أنه يمثل إدارة الشعب وكم هو محزن أن النظم العربية مازالت تتعامل مع شعوبها على أنها الطغمة التى أصر إسماعيل باشا صدقى على حقة الطبيعى فى أن يكون وصيا عليها ولهذا أسقط الشعب دستوره المشوه 1935 ثم أسقطنا حكم العسكرى ومعاهدة صدقى بيفن 1946 بما كانت تتضمنه من استداهة القاعدة العسكرية فى قناة السويس ولعل محك الاختبار الذى يجب أن يعيه حاكمين ومحكومين أن التغيير له أعباء وثمن وأنه كيفما كانت الاعباء فالمجتمع عازم ومصر على تحملها ودفع ثمنها كما كان شأنه دائما منذ ندا عرابى الرائد فى ميدان عابدين قبل قرن ونصف سابقا بإشهار هذا العزم بذلك التاريخ .
وإننا فى البداية الألفية الثالثة وقد تخلفنا عن التاريخ بمراحل وفراسخ لن نكل أو نتقاعس عن تحمل الأعباء ودفع الثمن ومن هنا فإنى أطالب حزب التجمع بأن يدرس برنامجى هذا الذى طرحته من خلال أربعة مقالات وأن يدعو الاحزاب الاخرى جميعا والنقابات والاحزاب والجمعيات والاتحادات والمعاهد لتدراسه للتوصل إلى الإجماع على برنامج عمل تنفذى واضح المعالم محدد الخطوات منهين بذلك مرحلة الاستعطافات والتأوهات والتيه فى السفسطة والأمل فى بركات أم هاشم وعندما يعلم كل مواطن على كل المستويات موقعه ويتحدد له واجبه ومسئوليته ويبعث قانون النسب والتناسب الغائب ليس فقط ليحكم توازناتنا وعلاقاتنا الداخلية ولكن أيضا لتحجيم النفوذ الأمريكى والغوغائية الإسرائلية ليعود إلى حجمها الحقيقى ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم العربى كله …اللهم إنى بلغت
رجوع الى مقالات |