|
الاهرام 10 اغسطس 2003
** بعد أحداث11 سبتمبر2001 لم يكن هناك شك في ان اليمين الأمريكي في إدارة بوش لابد ان يكسب المعركة فالقوة الأمريكية العملاقة والاقتصاد الأمريكي المتسلط وتخاذل البدائل القطبية من روسيا إلي الاتحاد الأوروبي إلي اليابان عسكريا وسياسيا واقتصاديا أكدت ذلك.
إضافة للاجماع الدولي علي التوجس من انتشار ظاهرة الإرهاب العالمي علي كيانات الدول الكبري والصغري إضافة للفزع الوطني الأمريكي من الاختراق الرهيب لحواجز الأمن الوطني التاريخي الذي ترسخ تاريخيا علي اساس القوة الأمريكية والأمن الديموجرافي الذي ضمنه المحيطان الهادي والاطلسي والسيطرة الأمريكية الكاملة علي الأمريكتين.
ففي2001 لم يكن هناك عذر عن ضرب قاعدة العنف في افغانستان وجنوب آسيا والشرق الأوسط وفي العالم الغربي نفسه ولم يكن هناك عذر عن تقاعس الرأي العام العالمي في مساندة هذا التوجه وعليه بدا في2001 ان التوافق مع متطلبات الأمن الأمريكي والأمن العالمي يمهد الطريق لتسليم القيادة العالمية طوعا للقطب الاوحد والذي عقد الوضع العالمي هو اقتناع الجناح اليميني في الإدارة الأمريكية بان هذا الاجماع علي مجابهة الخطر المشترك والعجز العالمي الواضح عن مجابهته يطرح مبررا لوضع برنامجه المعتمد لإعادة صياغة العلاقات والشرعية الدولية لتأخذ في الاعتبار حقائق الواقع الدولي الجديد.
وكيفما كان تحفظنا علي برنامج وتوجهات الجناح اليميني في الإدارة الأمريكية فتقتضي الموضوعية لان نقر انه يرتكز علي تسلسل ايقاع تاريخي لاسبيل إلي انكاره فكما انتهت الحرب العالمية الأولي بمهزلة عصبة الأمم واطلاق يد الدول الاستعمارية في الاستعمار وتقسيم الغنائم من مستعمرات الدولة العثمانية ومستعمرات المانيا في أوروبا وإفريقيا ومناطق التوسع الياباني في آسيا لاستيعاب حقائق التوازنات العالمية المستجدة.
اعادت الحرب العالمية الثانية صياغة التوازنات العالمية في جو سيادة العملاقين المنتصرين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأصبحت القطبية الثنائية والحرب الباردة هي الصياغة الحاكمة في المجال العالمي.
ولاشك ان انهيار الاتحاد السوفيتي وتشتت حركة عدم الانحياز والمصاعب الامنية والسياسية والاقتصادية التي صاحبت هذا الانهيار وأدت اليه مثلت نقطة تحول جذري لاتقل مغزي عن الحروب العالمية نفسها ومن هنا يبني الجناح اليميني الأمريكي رؤياه علي ان تسلسل الاحكام التاريخية يقتضي إعادة صياغة العلاقات والمواثيق والتوازنات والتنظيمات الدولية لاستيعاب هذا الواقع الجذري الجديد للقطبية الواحدة.
وفي الحقيقة فان الرأي العالمي كان واعيا لهذا التحول الجديد وكان يتعامل معه برفق وتجاوب تدريجي استعدادا للتأقلم بعد إعادة صياغة سلمية تدريجية تتعايش مع القطبية الوحيدة في إطار من التوافق والشرعية اخذة في الاعتبار المتغيرات الجذرية المتوازية في استقلال المستعمرات والتحولات الديمقراطية في الدول الصغري والضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدد سائر انحاء العالم.
وسواء كان الجناح اليميني مصيبا أو مخطئا في انتهازه لزلزلة أحداث11 سبتمبر2001 في اقحام العالم في احاجي انقلاب عالمي مفروض يمس كل ثوابت النظام العالمي فليس هناك شك ان توجه الجناح الأمريكي.
في الإدارة الأمريكية لم يكن شططا غير مدروس او هوسا غير عقلاني ولكنه كان توقيتا واسلوبا وادوات طال دراستها وتخطيطها من الجناح ومجموعة بارزة من خبرائه ولم يكن للقرار السياسي الا تحديد توقيت تنفيذه وظروفه.
ولم يكن مفاجأة الرأي العام العالمي بهذه الاجندة ومقاصدها ولكن كانت فاجعته في توقيتها والظروف والآليات التي وضعت لتحقيقها.
واخيرا فوجيء العالم بأن الحشود العسكرية والأسلحة الرهيبة الفتاكة والضغط والإرهاب السياسي العالمي ليس المقصود به ما قد يكون قد بقي مما يسمي أسلحة فتاكة في العراق ولا حتي صدام حسين ونظامه ولاحتي خدمة التحالف الاستراتيجي الصهيوني الأمريكي في الشرق الأوسط ولاحتي الرغبة في إعادة تشكيل السلطة والخريطة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط فقط ولكنها الحلقة الأولي وسيناريو فرض السيطرة الأمريكية عالميا وتصفية الشرعية الدولية ممثلة في ميثاق الأمم المتحدة والياتها منذ الحرب العالمية الثانية ولاحتي الاكتفاء باستيعاب القطبية الواحدة التي تعطي للدولة الاعظم ثقلا وتأثيرا أكثر من غيرها أي تجميع ميزات قطبي الحرب الباردة في يد واحدة في ظل توفيق جديد للشرعية الدولية يتوافق مع القطبية الواحدة كما توافق مع القطبين ولكن سرعان ما اتضح بعد ان افصحت كل التصريحات والبيانات والاهم كل الافعال والتصرفات ان الهدف النهائي هو تصفية الشرعية الدولية والعولمة القائمة بما تحمله من معاني المشاركة في الحقوق والمسئوليات والالتزام بالمواثيق والمباديء العالمية التي يترسخ عليها النظام العالمي وفرض شرعية العومركة التي تحمل معاني التبعية والاستسلام وإلغاء المواثيق والمباديء العالمية التي تنظم العلاقات وتحكم المعاملات بين الجميع.
وعندما تتحدي أغلب دول العالم ومئات من الملايين في الشعوب لهذا الانفلات الخطير وعندما تعارض وقف اغتيال وتدمير العراق فهي لاتعني العراق بالذات ولاتعني رغبتها في الابقاء علي سلاحه ولا زعامته ولا نظامه وعندما يحمل الملايين صور بن لادن والقاعدة والجهاد فهم لايعنون هذه الكيانات بالذات التي عانت منها دول العالم العربي نفسها علي مدي سنتين ولكنهم يعنون النظام والشرعية الدولية ويعنون ان كل من يتصدي للدفاع عنها او يرمز لمقاومتها فهو زميل سلاح مهما تباعدت المشارب والأهداف.
ان التحول من العولمة إلي العومركة ليس مرتبطا بأحداث11 سبتمبر2001, كما تدعي ابواق التسويق فالازمة الاقتصادية الأمريكية سابقة لهذا التاريخ وإجراءات نسف الاجماع العالمي والاصرار والاستمرار فيها من رفض بروتوكول كيوتو للحفاظ علي البيئة العالمية لرفض خفض ديون الدول الافقر أو زيادة حصتها من التجارة العالمية والاستثمارات إلي رفض المحكمة الجنائية العالمية لجرائم الحرب والعدوان علي المباديء الانسانية إلي رفض معاهدة وقف التجارب الذرية ومعاهدة منع الصواريخ المضادة للصواريخ أرض أرض ورفض معاهدة وقف تصنيع واستخدام الالغام ضد الأفراد ورفض المطلب الاساسي لوقف الدعم للانتاج الزراعي الغربي وصناعة النسيج وتطبيق حصص الاستيراد من الدول الفقيرة وفرض رسوم إضافية علي المنتجات المستوردة من الحديد والصلب ورفض ازالة الدعم الضريبي المقدم للشركات الأمريكية العابرة للقارات بما يستحيل معه منافستها.. الخ الخ كل هذه الظواهر عبرت عن سياسة اليمين المتطرف( غير المسيحي) الذي يشهر بكل تحد وعلي أعلي المستويات الإدارة الأمريكية ان تحقيق المصالح الأمريكية هو الاولوية التي لايمكن لأي اعتبار أو التزام يفوقها وهي توجهات التزم بها الجناح اليميني قبل أحداث11 سبتمبر.
فاستخدام الجبروت الأمريكي الاقتصادي والسياسي لعومركة النظام العالمي كان هو المنبر الذي دخلت علي اساسه الجناح اليميني والإدارة الأمريكية الانتخابات وباشرته منذ وصولها إلي الحكم بحكم قضائي وكل ما كان ينقص فرض العومركة عالميا هو ان يعبئ الجبروت العسكري الأمريكي لاستكمال حلقات السيطرة والتسلط الاقتصادي والسياسي.
لهذا كانت أحداث11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن بالاضافة انها مأساة إنسانية مفزعة الا انها كانت فرصة ذهبية للجناح اليميني للإدارة الأمريكية لاطلاق العنان لجبروتها العسكري لدعم توجهاتها واهدافها التسلطية ومع تضامن العالم كله في تدعيم الجهود لمحاربة الإرهاب الذي عانت منه الدول النامية لسنوات دون ان تجد استجابة عالمية حتي بوقف الدعم والمساندة التي قدمت له من الولايات المتحدة نفسها حتي في افغانستان والعراق فان الهستيريا والمزايدات الأمريكية لم تكن مجرد انعكاس للاخطار الامنية ولكنها في الحقيقة كانت استغلالا لهذا المبرر لاستكمال حلقات الاجبار علي تصفية العولمة وفرض العومريكية كنظام عالمي جديد ومن هنا كان الرفض آليات علي تعريف الإرهاب او ايكال سلطة الاتهام به والتعامل معه إلي المنظمات الدولية صاحبة الولاية ومن هنا كان اهدار الحقوق العالمية في الأمن للمجتمع والاصرار علي الأمن الأمريكي وعملائه هو الأمن المنشود ومن هنا كان من ليس معنا فهو علينا ومن اراد ان يكون منا فعليه الامتثال لمطالبنا وقراراتنا وسياستنا دون نقاش ومن هنا كان تشريع التدخل والحكم في كل الشئون الداخلية حتي في الدول الكبري ومن هنا شرع مبدأ العصا والجزرة.
والإرهاب لمن ليس معنا من الدول صاحبة السيادة العريقة من الاصدقاء قبل الاعداء فمحاربة الإرهاب بمدلوله القانوني والسياسي المتعارف عليه ليس موضع خلاف بين أي من دول العالم وشعوبها أما استغلال محاربة الارهاب لتصفية الشرعية الدولية والاعتداء علي سيادة دولها التي هي ركيزة الشرعية الدولية أما احتكار سلطة الاتهام والحكم في هذا المجال من أي دولة مهما عظم شأنها فامر أخر.
وأما استغلال محاربة الإرهاب في تشريع الاحتلال والاغتصاب والاغتيال وانكار حق الدفاع الشرعي لمقاومة هذه الفظائع فامر اخر.
وأما إرهاب الدول وارغامها علي الاستسلام والخضوع لسياسات واغراض جناح متطرف في الدول العظمي بما يخالف مصالح ورغبات اعداد متزايدة من شعبها نفسه بجانب اجماع دولي علي رفضه فامر أخر.
وأما إدعاء ان محاربة الإرهاب تبرر فرض النظم والاطاحة بالحكومات وتشويه وامتهان مباديء وقناعات وحضارات الشعوب فهو أمر آخر.
وأما إدعاء ان الديمقراطية هي خدمة الأهداف والاغراض التسلطية لدولة ما مما يفرض ارتكازها علي إرادة هذه الدولة وليس علي قرار شعوبها واختيارهم وتأييدهم فأمر آخر.
وأما استغلال ادعاء محاربة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل لإلغاء سلطة الشرعية الدولية ومشاركة الأسرة الدولية وفرض الخضوع لهذه الهمجية علي الدول والشعوب الكبري والصغري والانفراد بالقرار والتنفيذ فهو ليس أمرا آخر فقط ولكنه أم التحديات التي تهدد ليس فقط النظام العالمي ولكن مستقبل البشرية وليكن هذا محل تحليل في مقال آخر قادم.
رجوع الى مقالات |