Banner
   

 من يكسب المعركة ومن يكسب الحرب‏..‏العراق وفلسطين والإرهاب؟‏(2) ‏ ‏ ‏

السبت 6 سبتمبر 2003 العدد 127

استكمالا لمقالنا المنشور بتاريخ‏10‏ أغسطس الماضي نقول إن هناك بلبلة بشأن الاستراتيجية الأمريكية بشأن الانقسامات في الاتحاد الأوروبي الحالي والموسع مستقبلا والحقيقة ان الاستراتيجية الأمريكية لاترحب بقيام وحدة سياسية أو عسكرية في أوروبا مما يهدد القطبية الواحدة ومن ثم يخدم الاستراتيجية العومركية علي المدي الطويل حتي وان اقتضي اغتيال رئيس الوزراء البريطاني سياسيا بنسف فرص الغطاء الملح له‏.‏

 

وسرعان ما تكشف للعالم شمالا وجنوبا ابعاد الهوة الساحقة التي تدفع الإدارة الأمريكية بتوجيه الجناح اليميني بالشعب الأمريكي والعالم اليها امنيا واقتصاديا وسياسيا بعد ان كشفت القيادة العسكرية للقوة الأمريكية انها ستحتاج لسنوات للخروج من مأزقي افغانستان والعراق في ظل خسائر متصاعدة وتكلفة متضاعفة وازمة اقتصادية لم تتضح لها نهاية بعد وفساد في الإدارة الاقتصادية لم تتضح كل ابعاده وتأكل شعبية سياستهم إلي‏53%‏ وازدياد اصوات المعارضة للقيادات السياسية البارزة حتي وصلت لأعضاء الكونجوس الجمهوريين والخبراء والعسكريين بمن فيهم مادلين اولبرايت وجيمس بيكر ووزراء الخارجية السابقون وكاهن السيطرة الأمريكية الاعظم هنري كيسنجر نفسه والإدارة علي مشارف انتخابات الرئاسة بعد سنة لاينتظر فيها ان توقف مسئوليات الازمة الاقتصادية ولاعدم حسم الحرب الافغانية والعراقية ولا المعارضة المتصاعدة من حلفائها في ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين ومنظمة عدم الانحياز والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والمؤتمر الإسلامي واغلب دول العالم وشعوبه ولا الشكوك في بريطانيا التي يتولي قيادتها رئيس وزراء يوافق‏53%‏ من الشعب علي استحقاقه للقب كلب بوش المدلل واثارة هذه الشكوك بمعرفة الكنيسة الكاثوليكية والانجليكية والقادة السابقين للقوات المسلحة البريطانية وكثير من قادة الرأي بمن فيهم اعضاء مجلس النواب من حزب العمال وبعض الوزراء ناهيك عن المعارضة الصريحة والملحة من شعوب أوروبا والدول العربية ومن ايران وتركيا ومن الدول الآسيوية‏.‏

 

ثم هناك انتخاب الرئاسة نفسها بعد حوالي عام ومن المشكوك فيه ان تكون قيادتها للسياسة الداخلية وخاصة الاقتصادية ركيزة لتجديد ولاية بوش وان اعتماده الاول والاخير هو علي شعبيته كقائد لحملة تأمين الأمن الأمريكي‏.‏

ومع كل هذا فإن بوادر احتمالات التصويب بدأت في الظهور وبدا ان الجناح اليميني وان لم يجد ان اجندته الا انه في إثر استيعاب ان التوقيت والاسلوب والآليات في حاجة الي تخطيط واقعي يقي من مخاطر الطريق المسدود الذي بدا ان اخطاره في التحضير لحرب العراق‏.‏

 

ان المنعطف التاريخي الذي تتخبط فيه السياسة الأمريكية والعالمية حاليا مدعاة للتمحيص والاستيعاب‏.‏

 

نعم لقد كسب الجناح اليميني المعركة بتنحيه الطالبان والقاعدة وحزب البعث بعد ان حشد نصف القوات العسكرية الأمريكية في هجوم ساحق وحشي حتي وان اكتفي بزحزحة هذا النظام ولم يحقق تصفية بنيتها الاساسية ولامقاومتها ولا ترسيخ جذورها الشعبية ولا ايجاد بدائل لها بل علي العكس أدي الهجوم الساحق إلي تعبئة قوي أكثر لمقاومة اوسع انتشارا يقدر القادة العسكريون الأمريكيون انها تحتاج لزيادة في القوات والاعباء علي مدي سنين قادمة لكسب المعركة‏.‏ وعلي الولايات المتحدة العبء الأكبر والهدف الأصلي وهو كسب الحرب ليس فقط ضد الإرهاب والعنف والتطرف ولكن أيضا ضد مسبباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏.‏


ولم يعد هناك شك أن أسلحة المعركة الرهيبة ليست مؤهلة لكسب هذه الحرب‏,‏ كما تصور الجناح اليميني في اجندته الاصلية ولم يعد أحد فيه أو أحد من خبرائه العسكريين ينكر ذلك‏.‏


والانتخابات الأمريكية والبريطانية القادمة تلزم بقيادة قومية موحدة إذا كان مقدرا للإدارات الحالية ان تتحمل هذا العبء‏.‏

والسياسة القومية يمكن ان تأخذ في الاعتبار تطلعات الاجنحة اليمينية ولكنها لايمكن ان تكون اسيرة لجناح بذاته ومن الآن نشهد بوارد استيعاب الإدارة الأمريكية لطبيعة المرحلة المختلفة ببوادر ضرورة كسب الحرب حتي لايذهب كسب المعركة في مهب رياح العاصفة‏.‏

 

ومن هنا كانت العودة لمجلس الأمن حتي وان اقتضي ان يتحول غزو العراق من تحرير الي احتلال ومن هنا كان الالحاح علي ملف الاطلنطي للمشاركة التي كانت مستبعدة في الاجندة اليمينية حتي وان اقتضي ذلك تصعيد دور الأمم المتحدة ومن هناك كان المحاولة المستميتة لاشراك أكبر عدد من الدول في جهود الحفاظ علي الأمن والإعمار في العراق وتكاليفه الباهظة‏.‏

ومن هنا كانت محاولة اشتراك شركات الدول الأوروبية ولو جزئيا في تعمير العراق بدل الاحتكار الأمريكي المستهدف ومن هنا كان تحريك خريطة الطريق حتي إذا لم تهدف الي ان تتضح معالم الطريق في فلسطين ومن هنا كان تعقل غوغائية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ومن هنا كان التأني في التعامل مع اطراف محاور الشر في كوريا وايران ومن هنا كان شبهة التعقل في الهجوم علي سوريا ومن هنا كان قبول الاسهام العربي في التعامل مع مشاكل الاقليم حتي وان كان في حدود التخطيط الأمريكي ومن هنا كان غطاء اللجنة الرباعية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا لخطة الطريق حتي وان كان غطاء غير فعال‏.‏

 

وفي النهاية ان الاجندة اليمينية للإدارة الأمريكية بصرف النظر عن مبرراتها التاريخية الاستراتيجية داخل توقيتها الخاطيء واسلوبها الاستفزازي وادواتها المهينة بتعقيدات لاتخدم مصالح الأمن والسلام العالمي ولا امال وطموحات العومركة نفسها وهذا هو مدلول تجاوب الجناح اليميني مع المقاومة الشعبية والعالمية ولوتيكتيكا واول الغيث قطرة‏.‏

 

وكل شعوب العالم وعلي الاخص الشعوب العربية يجب ان تحفز وتدعم هذا التصويب في الاستراتيجية الأمريكية حتي وان اقتضي ذلك المقاومة الصريحة لمخاطر الاخطار القديمة وهذا لاشك يقتضي ترشيد الخطاب العربي لان مستقبل العالم خاصة العرب يتوقف علي كسب الحرب وليس كسب المعركة‏.‏ ان جبروت التسلط اليميني يكسب المعارك ولكن الوفاق والشرعية الدولية هي فقط التي تستطيع كسب الحرب‏.

رجوع الى مقالات